✓ تم نسخ الرابط
معالجة القرآن لمعضلة الشر
كيف صوّر القرآن الكريم مشكلة الشر في الحياة وكيف عالجها ضمن رؤية المسلم للكون والحياة والإنسان؟
⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فانه بتملك رؤية قرآنية لهذا الكون والحياة والإنسان يسهل التعامل مع الشبهات والأسئلة التي تثار، فإذا أيقن المسلم أن الأمر كله لله تبارك وتعالى، فمنه المبدأ وإليه المرجع، وهو جل وعلا موصوف بأسمى الصفات وأعلى الكمالات، وأنه منزه عن صفات النقص، وأن هذه الحياة الدنيا ما هي إلا دار عبور ينتقل منها هذا الإنسان إلى دار الخلود، وأنه مع سائر الموجودات –العاقلة منها وغير العاقلة– يعيش في تكامل وانسجام وائتلاف إن استجاب هو لأمر الله تبارك وتعالى؛ فإن ما يظهر من أن بعض الشبهات يمكن أن تثير حيرة لدى المتلقي سيغدو سرابًا بقيعة.
وهذه الشبهة التي تُعرَف بمعضلة الشر هي من هذا الباب، إذ ما كان ينبغي أن توجَّه إلى أهل الإسلام أصلًا؛ لأن المسلمين لا يدَّعون أن الخالق سبحانه وتعالى قد أعلم عباده أن حياتهم الدنيا حياةُ خيرٍ وسرور وفرح واطمئنان، وكل ما يرجوه الإنسان ويأمله فيها مما يحبّه من خير ونعمة ورحمة، وأنه لن يصيبه فيها شيء يكرهه، ولم يصف ربنا تبارك وتعالى نفسه –فيما أوحاه إلينا في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الخاتم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم– بأوصاف يمكن أن تدل على مثل هذا المعنى.
نعم، يمكن أن تتجه هذه الشبهة إلى أهل ملل أخرى يحصرون أوصاف ربنا تبارك وتعالى في أنه إله محبة، أو أنه إله رحمة، يزعمون ذلك، ونحن نعلم أن صفات الله تبارك وتعالى هي مما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متفقًا واحدًا لا خلاف فيه.
فإذا ثبت أن أهل الإسلام لا يزعمون أن هذه الحياة الدنيا هي حياةُ خيرٍ كامل، ولا ينسبون إلى الله تبارك وتعالى –لا في الصفات ولا في الأسماء ولا في ما يصف به نفسه من أفعال– أنه لم يخلق في هذه الحياة إلا الخير والسعادة وما يرجوه الإنسان لنفسه فيها؛ فإذاً سقطت الشبهة.
لكن مع ذلك فإن الجواب التفصيلي الذي يقوم على أدلة عقلية وعلى براهين وحُجَج يمكن أن يُنَاظَر بها هذا المدَّعي المشكِّك موجودة في كتاب الله عز وجل، يجمعها قوله سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 155] ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
إذًا هذا إخبار من الله تبارك وتعالى بأن هذه الحياة الدنيا هي دار ابتلاء واختبار، وهذا الابتلاء والاختبار ستعقُبه نتيجة؛ ولذلك قلنا بأن الرؤية مترابطة؛ فما يصيب الإنسان في هذه الحياة الدنيا من خير أو شر إنما هو ابتلاء وتمحيص سيعقبه بعد ذلك النتيجة.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ نعم ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾، تراكيب هذه الآية القرآنية في صدرها تدل على أن الشر أقلُّ بكثير من الخير؛ ولذلك قال: ﴿بِشَيْءٍ﴾ من الخوف والجوع ونقصٍ للتبعيض والتقليل، فليس الشر هو الأصل في حياة الإنسان، بل إن الخير هو الغالب الأكثر.
ولئن كان هؤلاء المشكِّكون يعترضون بهذا السؤال على وجود الخالق نفسه وعلى صفاته، فإن السؤال يوجَّه إليهم: ما مصدر هذا الخير الغالب الطاغي في حياة بني البشر عبر تاريخهم؟ أهو الطبيعة كما يزعمون، أو أنه شيء آخر؟ إن كانوا قد أجازوا لأنفسهم أن يطرحوا عن سبب هذا الشر وعن مصدره، فإن من الطبيعي أن يوجَّه إليهم السؤال نفسه، لا سيما وأننا نتفق جميعًا أن الخير غالب، وأنه أكثر من الشر في حياة الناس وفي هذا الوجود بأسره عبر تاريخ بني الإنسانية، عبر تاريخ بني البشر.
إذا لتلخيصنا الآن في الجواب من الآية الكريمة: لا نجد في كتاب الله عز وجل أن هذه الحياة الدنيا هي خير محض، ولم يصف الله تبارك وتعالى نفسه بأنه لا يبتلي عباده إلا بالخير والنعمة والصحة والرزق وكل ما هو حسن، وإنما أكَّد هذه الحقيقة، بيَّن للعباد جميعًا أن هذه الحياة هي دار ابتلاء، وأنهم يُبتلون فيها بالخير والشر، وأن الشر فيها قليل، وأنه يمكن أن يكون بتسبُّبٍ منهم، ويمكن أن يكون بتدبيرٍ منه؛ لذلك قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ﴾ ﴿وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾.
وهذه الأنواع من الابتلاءات تشمل كل ما يخطر ببال الناس –ومنهم المعترضون– مما يصيب الناس من شرور، لا يجاوزها الشرور، لا تتجاوز هذه: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾، ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
إذًا الحياة ليست مادة؛ الحياة قيم، معانٍ، وخصال إنسانية تشتمل على ما يكشف خصال هذه الإنسانية؛ ولذلك قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، فخصال الصبر تمتحن في الإنسان، خصال إنسانيته في جوهرها تمتحن ليُكشَف عنها بمثل هذه الابتلاءات.
كلمة ﴿وَبَشِّرِ﴾ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ تحمل الكثير من المعاني التي ترد أيضًا على هذه الشبهة؛ فهذا المُبتلى المُصاب –سواء كان بمرضٍ مزمنٍ متلف، أو بإصابات بالغة لكوارث في الكون، لكوارث طبيعية، أو بعاهات أو علل أو نقص في الأنفس أو الأموال أو الصحة أو الثمرات– ما الذي يمكن أن يواسيه به هؤلاء المشكِّكون الذين يثيرون هذه الشبهة؟ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة؛ فكيف يواسونه؟ هل سيقولون له بأن خلاياك تالفة، بأن هذا المرض لا يمكن أن يُكشف له عن علاج؟ وأنت أيها المظلوم لا نجاة لك، ولا أمل لك في أن تحصل على عدالة، فهم لا يؤمنون بحياة أُخرى تتحقق فيها هذه المعاني؛ ولذلك فكلمة ﴿وَبَشِّرِ﴾ تحمل هذا الرد أيضًا.
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾؛ الصابرين قلنا إنها تحمل أن هذا الابتلاء إنما هو لكشف معاني الإنسانية: تآلُفها، واجتماعها، وتعاونها، وسعيها للتعلم، والاكتشاف، ودرء هذه المخاطر. ونحن نرى –حتى فيما أصاب البشرية اليوم من أمر هذه الجائحة– هل كان يمكن لهم أن يصلوا إلى لقاحاتٍ وأدويةٍ إلا بتعاونهم، وبائتلافهم، وتبادل معلوماتهم، وقيامهم بما يلزم مجتمعين إزاء وباءٍ هو من حيث ذاته ضعيف محتقر؟
إذا الذي يحصل في مثل هذه الابتلاءات أن الإنسان ليس مادة فقط، وإنما يُمتحن جوهرُه وحقيقتُه ومعناه وإنسانيته وروحه وخلقُه وقيمُه، وهذا ما تتفاوت فيه المجتمعات، وهذا ما يمكن أن ترقى به المجتمعات.
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، يبين مَن هم هؤلاء الصابرون: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾؛ فالحياة عندهم ممتدة، ينتقلون فيها من دار العمل إلى دار الجزاء عبر محطة الموت والوفاة؛ ﴿إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾: حياتهم من الله تبارك وتعالى، ما كانوا فيه من نعم إنما هي من الله سبحانه وتعالى بكل ما أوتوا إياه، كما أن هذه الحياة ملكٌ له سبحانه وتعالى الخالق المدبِّر الحكيم.
ثم إنهم يرجعون إليه ليكافئهم، وليجزيهم، وليثيبهم على صبرهم وعلى ما أصابهم في هذه الحياة، لينصف المظلوم من ظالمه، ولينصف المعتدى عليه من الجائر الطاغي الذي جار عليه، وليعوِّض ذلك الذي سُلِب نعَمًا من النِّعَم الثوابَ المقيم، وليعوِّض ذلك الذي ابتُلي في صحته بما أعدَّه له وادَّخره له من نعيم.
إذا هذه هي خلاصة الجواب عن هذه الشبهة، مع تكرُّر هذه المعاني متفرقةً في مواضع شتى من كتاب الله عز وجل؛ لكي تكون أدعى للحفظ والاستحضار عند المناظرة أو الحوار، وما يذكره العلماء الذين ينتسبون إلى دينٍ سماوي، أو المفكرون والفلاسفة الذين يردون على هذه الشبهات؛ لا يخرج عما تدل عليه هذه الآية الكريمة، والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢٤/١/٢٠٢١
🎬
نحن والعالم الرؤية والمنهج 3 - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي HD
العقيدة
✦ فتاوى مشابهة
معضلة الشر في الإسلام
2 👁كيف يوضح الإسلام مفهوم معضلة الشر والفرق بين الخير والشر في حق الخالق والخلق، خاصة في سياق الرد على الإلحاد والكوارث الطبيعية؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٧/٣/٢٠٢٥إطار جواب معضلة الشر
0 👁ما الإطار العام الذي ينبغي فهمه أولًا في التصور القرآني للحياة قبل الإجابة عن معضلة الشر؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣/١/٢٠٢١سر الأمر بالصلاة دائمًا
2 👁ما الأبعاد التي تكمن وراء الأمر الإلهي بالصلاة في حال العسر واليسر والإلحاح عليها في القرآن؟
👤أحمد بن حمد الخليلي
٣٠/١٠/٢٠٢٠معالجة ضعف الإيمان
2 👁كيف تكون معالجة النقصان والفتور في الإيمان؟
👤أحمد بن حمد الخليلي
١٤/٥/٢٠١٩كيفية تدبر القرآن
1 👁كيف أستطيع التدبر والقراءة من خلال آيات الله تعالى؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
١/٤/٢٠١٨استعداد فهم القرآن
3 👁هل هناك استعدادات لازمة للمسلم حتى يفهم كيفية التعامل مع القرآن الكريم؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
١/٥/٢٠١٦