⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
جملةُ أسبابٍ، في صَدارتها ضعفُ الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لِنَكن صرحاء: فقد غاب عن إيمانهم أن الأخلاق مما يُحاسَب عليه العبد، فيُثاب أو يُجازى.
فلئن كان ربنا تبارك وتعالى حينما يأمرنا بالمسارعة إلى ما فيه التقوى يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، فَلْنَنْظُرْ في الخصال التي وُصِفَ بها هؤلاء المتقون الذين أُعِدَّت لهم هذه الجِنان، الذين يحظون بمغفرة من الله تعالى، وجنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ؛ قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ، وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ، ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 134-135].
فغاب عن إيمانهم هذا الجانب، غاب عن وعيهم هذا البعد الإيماني الحاضر في الأخلاق العملية التي نتحدث عنها.
ما الذي ينفعنا أن يدرس المسلمون النظريات الأخلاقية، وفلسفة الأخلاق، والأخلاق الفلسفية كما يُقال –نعم– ولكنهم في الواقع العملي خواء، هم صفر من الأخلاق، نعم؛ هم من أشد الناس ضيقَ صدور، سوءَ حديث، ومن أشد الناس ثِقْلًا على الشر، وتربُّصًا بإخوانهم، وتفويتًا للكمالات الإنسانية –نعم– فما الذي يمكن أن ينفعهم إن كانوا هناك من النُّبغاء في الجانب النظري لكنهم في الأخلاق العملية –كما تقدَّم– لا صلة بينهم وبينها لا من قريب ولا من بعيد؟
فكيف إذا كانوا في الحقيقة حتى في الجانب النظري لا يُدركون اللطائف الموجودة في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي هديه القولي والفعلي؟ إذا كان كلما نظر في المرآة يقول: «اللهم كما حسَّنت خَلْقي فحسِّن خُلُقي»، وهو أكمل الناس أخلاقًا –نعم– وإذا كان في تعامله مع زوجه وولده، مع سائر الناس، ومع القريب والبعيد كما وصفه ربه تبارك وتعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُم، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
نعم، إذا ما نحتاج إليه هو أن نُصحِّح أوَّلًا إيمانَنا بالله تبارك وتعالى –نعم– وأن نرجو ما عنده، وأن نخشى مما أعدَّه لِمَن فَرَّط فيما أمره به، أو ارتكب ما نهاه عنه سبحانه وتعالى –نعم– ثم الجهل؛ فإن الجهل أيضًا بأخلاق الإسلام، بل بتميُّز أخلاق الإسلام، وبهذه النماذج التي نصبها لنا كتاب ربنا تبارك وتعالى من سير الأنبياء والمرسلين، ومن سيرة أكملهم وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن مَن قَصَّ لنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم من الصلحاء رجالًا ونساءً؛ فإن غياب هذه القدوات، والجهل بها، أفضى أيضًا إلى تفريط المسلمين.
الضعف الحضاري هو أيضًا من الأسباب؛ فإن هذا الضعف الحضاري، والتأخر العلمي والمدني، أدَّى بهم إلى تقليد غيرهم حتى فيما يتعلق بالأخلاق والآداب –نعم– حتى فيما يتعلق بالأدب نفسه، بالمَقُول من الأدب فضلًا عن المَعْمُول به؛ فإذا بهم ينصبون لهم من أنفسهم قدواتٍ من المشاهير الذين لا خَلاق لهم، ممن لا يهتمون إلا بمصالحهم، ولا يُقدِّمون للإنسانية شيئًا ينفع، وإذا بهؤلاء لهم الشهرة عند شباب المسلمين رجالًا ونساءً، وإذا بهم يقلِّدونهم، ويتبعون أقوالهم ولبسهم وحركاتهم وهيئاتهم، وما هذا إلا دليلُ الأمراض النفسية الناشئة عن ضعف الإيمان –كما تقدَّم– وعن الجهل، وعن غياب القدوات.
يضاف إلى ذلك –ونحن هنا نُلَخِّص، نضع رؤوس الأقلام حتى يشاركنا الناس في هذا الهم– نعم، يُضاف إلى ذلك الافتقار إلى البرامج التي تُؤسِّس للأخلاق، والتي تُعلِّم الأخلاق؛ فبعض الناس قد يظن بأن الأخلاق تتوارَث، وأنها تنتقل بشكل تلقائي عفوي، وهذا غير صحيح...