مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

سبب ضعف نظام المسلمين

لماذا تبدو حياة غير المسلمين منظمة وأنيقة حتى في الأمور البسيطة كالاصطفاف في الطابور، بينما حياة كثير من المسلمين فوضوية أشبه بأوراق مبعثرة، مع أن الإسلام دين الأخلاق والنظام؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن يبيَّن قيمة الأخلاق في الإسلام، فالإسلام يعتبر الأخلاق من أساسيات حياة الإنسان المسلم، بحيث يكون المحور الذي تدور عليه هذه الحياة العقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة. وبيان ذلك في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما طلب أحد من الناس أن يوصيه، فقال له: «قل ربي الله ثم استقم، وخالق الناس بخلق حسن». هذا مما يدل على أن الأخلاق هي بجانب العقيدة، فقول الإنسان: ربي الله، يرمز إلى العقيدة الصحيحة التي يجب أن يعيش من أجلها المسلم، وأن ينافح من أجلها، وأن يجسِّد الحياة بمقتضاها. ولذلك تبع ذلك قوله: «ثم استقم»، ثم قال بجانب ذلك: «وخالق الناس بخلق حسن». ونحن نرى كيف أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام لم يأمر المسلم بأن يخالق المسلمين وحدهم بخلق حسن، بل قال له: «وخالق الناس»، لأن المسلم مطالب بأن يخالق جميع الناس بالخلق الفاضل الذي يجسِّد قيم الإسلام ومعانيه ويبيِّن للناس هديه وصراطه. ويؤيد ذلك ما جاء في الوصية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى في كتابه حكايةً عما وصى به بني إسرائيل من قبل، فقد جاء في هذه الوصية البالغة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، وفي قراءة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنَى﴾، وكلتا القراءتين تؤديان المعنى الواحد، لأنهما جميعًا تقضيان أن يكون الإنسان حريصًا على أن يكون ما يقوله للناس قولاً حسنًا. وهذا نجده في كتاب الله سبحانه وتعالى في الكثير الكثير من الآيات التي ترشد الناس إلى التعامل بالحسنى مع جميع قطاعات البشر، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34-35]، فالإنسان يؤمر بأن يدفع السيئة بالأحسن لا بخلاف ذلك. ونجد أيضًا أن الله سبحانه وتعالى يأمر في مجادلة أهل الكتاب أن تكون هذه المجادلة بالتي هي أحسن، وكذلك نجد أن الله سبحانه يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر موجَّه إلى سائر الأمة من خلال توجيهه إلى شخص الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام الذي هو رأس الأمة ومحورها، يقول في خطابه له: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]. هذا كله مما يدل على عِظَمِ الأخلاق في الإسلام، فالإسلام لم يأمر بمحاسن الأخلاق عموماً وحسب، وإنما جسَّد ذلك في كل جزئية من الجزئيات، من جزئيات الأوامر التي يؤمر بها الناس. وعندما نعود إلى ما فرضه الله سبحانه وتعالى على عباده من التعامل في حياتهم الفردية والأسرية والاجتماعية نرى قمة الأخلاق، نرى الأخلاق الفاضلة؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ، وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ، وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ، وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ، بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ، إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ، وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 11-13]. هذا كله يؤكد قيمة الأخلاق في الإسلام؛ فنحن نرى كيف أن الحق سبحانه ينهى أن يسخر قوم من قوم أو نساء من نساء، ليس لرجل أن يسخر من رجل أو من رجال، وليس لامرأة أن تسخر من امرأة أو من نساء، فقد يكون المسخور منه خيراً من الساخر. ثم مع ذلك نجد كيف يأمر الحق سبحانه وتعالى عباده أن يتعاملوا بالتي هي أحسن، بما فيه الخير، بما فيه جمع الشمل، بما فيه رأب الصدع، بما فيه توحيد الكلمة، بما فيه استلال السخائم والأحقاد، بما فيه تأليف القلوب المتنافرة، بما فيه جمع الفئات المتنابرة. يأمر الله سبحانه وتعالى أن لا يتطاول أحد على آخر بلسانه فيلمزه، وأن لا يكون هنالك تنابز بالألقاب. ثم مع هذا كله يأمر الله سبحانه وتعالى أن لا يتجسَّس أحد على أحد، وقد أطلق ذلك ولم يقيِّد التجسُّس كما قُيِّدتِ الغيبة بين المؤمنين، فليس لأحد أن يتجسَّس على غيره ولو كان كافرًا؛ إذ لكل أحد كرامته، ولكل أحد حرماته، هذا من أخلاق الإسلام. ثم مع ذلك يأمر الله سبحانه وتعالى أن لا يغتاب المسلم أخاه المسلم، فإن الغيبة هي بمثابة نهش لحمه وهو ميت، وهذه الحالة كل أحد يتقزَّز منها بفطرته. ثم مع هذا كله يبيِّن الله سبحانه العنصر الذي خُلق منه الناس جميعاً، فكل منهم يعود إلى أصل واحد، يعود الكل إلى أب واحد وإلى أم واحدة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ، وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، فتميُّز الناس بعضهم من بعض بكون هذا من شعب كذا وهذا من قبيلة كذا إنما ذلك لا لأجل التنافر والتفاخر، وإنما ذلك لأجل التعارف والتآلف، وبيَّن سبحانه وتعالى الميزان، ميزان التفاضل بين الناس، وأنه تقوى الله تعالى، وليس للأحساب والأنساب أي وزن. كل ذلك من أخلاق الإسلام. وعندما وصف الله تعالى نبيه الأعظم عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، الذي وصفه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، إنما وصفه بالأخلاق، فقد قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. ومن أجل هذا كانت رسالته صلى الله عليه وسلم تدور حول الأخلاق، وقد قال: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق». ونحن عندما ننظر في أي جزئية من جزئيات التعاليم الإسلامية فضلاً عن كلياتها نجد العنصر الأخلاقي بارزًا فيها، فكل جزئية من هذه الجزئيات فيها عنصر الأخلاق، فعندما ننظر إلى نظام الأسرة، وعندما ننظر إلى النظام الاجتماعي بين البشر، وعندما ننظر إلى حياة الفرد أيضًا، نجد في كل ذلك الأخلاق. كفى بأن الله سبحانه وتعالى أمر الناس بالإحسان وبالبر، ونهاهم عن كل ما يتنافى مع ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ، وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. ونحن ليس في وُسعنا في هذه الجلسة القصيرة، وفي هذا اللقاء المحدود، أن نتحدث عن العنصر الأخلاقي في التشريعات الربانية في نظام الأسرة، وفي العلاقات الاجتماعية، وفي غير ذلك، فإن هذا أمر يتطلب الكثير الكثير من الوقت، ولكن نقول بإجمال: إن الإسلام أمر بالمحافظة على الأخلاق. ولكن قد يكون هنالك شيء من النشاز، شيء من البعد عن تعاليم الإسلام، وذلك إنما يرجع إلى أولئك الذين ينتمون إلى الإسلام، ولا يرجع إلى مبادئ الإسلام ومثله وقيمه وأصوله وثوابته، وإنما يرجع إلى أولئك؛ فعندما نرى أن المسلم أحيانًا تشتد حِدَّتُه لأي سبب من الأسباب، وقد يتعامل بشيء من العنف والقسوة والشدة مع غيره، فذلك إنما يرجع إلى نفسه ولا يرجع إلى تعليم الإسلام. الإسلام يأمر بالأخلاق وبحسن المعاشرة، ولكن علينا أن لا نُنبهر بما نجده عند الآخرين، هذه أمور لا بد من أن نعطيها قدرها، وأن نحافظ عليها مهما كان الأمر، إلا أننا علينا أيضًا أن نفكِّر فيما يوجد في هذه الأمة من المثل والقيم ولا يوجد عند غيرها. كفى أن العلاقات الاجتماعية والأسرية أصبحت متقطعة في تلك الشعوب والأمم التي تعيش وهي تُهْرَع وراء المادة، ولا تُبالي بهذه القيم الروحية، ولا تبالي بهذه الصلة الاجتماعية، حتى إن الولد عندما يبلغ أبوه من الكِبَر عتيًّا إنما يبعث به إلى دور العجزة ولا يسأل عنه، وعندما تبلغ أمه إلى سنِّ الكِبَر أيضًا يبعث بها إلى دور العجزة ولا يسأل عنها، وقد يموت الوالد ولا يشهد جنازته، وقد تموت الأم ولا يشهد جنازتها، كل ذلك مما يدل على تقطُّع الأواصر والصِّلات فيما بينهم، وهذا إنما يرجع قبل كل شيء إلى انحسار العقيدة، ثم يرجع إلى انحسار عنصر الأخلاق. ثم لننظر كيف تُعدُّ مساوئ الأخلاق عندهم من الأمور التي يُفاخَر بها، وما يؤسَف له أن يقع في هذا الأمر المسلم، المسلم الذي أمره الله سبحانه وتعالى بأن تكون له شخصية يعتد بها، شخصية متميزة بأخلاقها، شخصية متميزة بسماتها وصفاتها، شخصية متميزة بمعاملاتها وجميع تصرفاتها، نأسف أن نجد هؤلاء المسلمين يهرعون وراء ما يتلقَّونه من الأخلاق الرديئة من قبل الآخرين... والله تعالى أعلم.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٨‏/٥‏/٢٠١٢👁 2 مشاهدة
🎬

النظام في الحياة

السيرة النبويةالعقيدةمسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

عدم تقدم المسلمين بالإسلام

2 👁

لماذا لم يتقدم المسلمون بهذا النظام الإسلامي العادل لينقذ البشرية مع أن غيرهم يراجع مناهجه ليستمر مهيمنا على العالم؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

لماذا المسلمون متخلفون؟

2 👁

إذا كان الإسلام منهج حياة يقدم الخير للبشرية فلماذا لا يزال أتباعه في ذيل القافلة بينما الحضارات الأخرى تهيمن اقتصاديا وسياسيا، وأين تكمن المشكلة؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٦‏/٨‏/٢٠١٣

سبب ضعف المسلمين

2 👁

كيف نفهم تأخر تمكين المسلمين في الواقع المعاصر مع وجود وعد الله بالاستخلاف والتمكين للمؤمنين العاملين الصالحات؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٧‏/١٠‏/٢٠١٨

سبب ضعف الخطاب الإسلامي الراشد

2 👁

هل يدل واقع المسلمين اليوم على أن من يتصدر المشهد الإسلامي والحديث باسم الدين ليس أهلاً لذلك، أم أن هناك مشكلة تاريخية عند المسلمين استغلها العدو الخارجي؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٧‏/١٠‏/٢٠١٤

فهم أوضاع المسلمين

2 👁

كيف يفهم المسلمون كثرة المشكلات والفتن في العالم الإسلامي المعاصر؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٧‏/٨‏/٢٠١١

أسباب أزمات العالم الإسلامي

2 👁

هل تعود مشاهد الصراع وسفك الدماء في عالم المسلمين إلى عقلية المسلم نفسه وعدم استيعابه للمرحلة، أم إلى إرادة استعمارية تريد تقسيم العالم الإسلامي؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٦‏/٩‏/٢٠١٣