⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
سأجيب بما افتتحتُ به –نعم– في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. هنا –إلى ما تقدَّم من حقيقة أن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دليلًا على صدق ما جاء به– فإن عندنا حقيقةً، فإن عندنا حقيقتين أُخريَيْن –نعم:
الأولى: لا نتحدث عن السجايا المُتكلَّفة المُتَصَنَّعة، هذه ليست من الأخلاق؛ نتحدث عن الأخلاق بتعريفها، ولا حاجة لنا إلى أن نذكر تعريفات الفلاسفة، لا من المسلمين ولا من غيرهم؛ نتحدث عن السجايا التي تكون طبعًا في الإنسان تُوجِّه له إرادتَه نحو نَزعة الخير إن كانت أخلاقًا حسنة، أو نحو نَزعة الشر إن كانت أخلاقًا سيئة؛ إذًا هي مَلَكات في النفس، لكنها لا تتعلق بما لا صلة له بالجوانب العملية كالذَّكاء والبَداوة والحفظ والذوق والجمال وغيرها، وإنما تتعلق بالإرادة التي تدفع إلى مَنْحًى الخير أو الشر بكل سهولة ويُسر؛ هذه هي الأخلاق التي نتحدث عنها؛ فإذا نتحدث عن طَبْعٍ أصيل، لا نتحدث عن تَصَنُّعٍ أو تكلُّف؛ هذا ليس من الأخلاق، لأن هذا: إما أن يكون باعثُه خوفًا أو رجاءً أو مصلحةً أو لدفع مضرَّة، ويكون آنيًّا، وإن تكرَّر مرة أو مرتين.
فإذا نتحدث عمَّا هو طبعٌ في النفس –جميل– ولا يعني هذا أنه لا يمكن أن تُحمَل النفس، فمرةً بعد مرة يعتاد الإنسان على هذه الخلال الجميلة والخصال، أن يحمل نفسه على هذه الأخلاق، فباعتياده لها تصبح مَلَكة في نفسه.
والحقيقة الثانية المتعلقة بهذا الأمر أيضًا: أننا لا نتحدث عمَّا هو دون الحدِّ المسموح به شرعًا في الأخلاق الحسنة؛ بمعنى أنه في مثل هذه القضية هو من حيث طَبْعِه حسنُ المعاملة –نعم– مع عموم الناس، لكنه زاد في إكرام آخَر –نعم– لسببٍ، أو لنَسَبٍ، أو لغير ذلك –نعم– دون أن يَغْمِطَ الآخرين حقوقَهم، أو أن يُسيء إلى الآخرين، فهو لا يخصُّ موقفًا معيَّنًا بجميل الأخلاق، ثم يرجع إلى سابق عهدِه من سوء العِشرة مع غيره من الناس –جميل– وإنما هو من حيث المستوى –كما يُقال– العام أو الحدِّ الأدنى –نعم– هو حَسَنُ الأخلاق –جميل– ولكنه لاعتباراتٍ مقبولةٍ شرعًا –فبعض الاعتبارات هي مقبولةٌ شرعًا– كعلى سبيل المثال: أن يُنزِل الناسَ منازلهم؛ هذا لا يعني أن من لم يكن صاحب حظوةٍ ومنزلة أن يُفَرِّط في أداء الحقوق إليه، أو أن يُساء إليه، أو أن لا –نقول– لا تُؤدَّى إليه، لا؛ لا يُعامَل بحسن المعاملة، بل نقول: إنه يمكن أن يُحَقَّر، أو أن يُهزَأ به؛ لا، هذا معناه أنه ليس بذي خُلُق –نعم– فصاحب الأخلاق لا يَنزِل أيضًا، لا يعني أنه لا يغضب أحيانًا، أو لا تصدر منه بعض الهَنَات، لا يصدر منه اللَّمَم؛ لكن من حيث عادته وسلوكه في أخلاقه هو متصفٌ بحسن الخلق –جميل– إذًا هذا الذي نريده ونتحدث عنه.
لو كنا نتحدث فقط عن دائرة البِرِّ والإحسان التي هي فوق دائرة، فوق مستوى الحد الأدنى المأمور به، فوق حدِّ الواجب الشرعي –نعم– فلا إشكال حينئذ، لكن الذي نخشاه: هذا الهُوِيُّ عن هذا الحد الأدنى، عن الواجب الشرعي أمرًا أو نهيًا؛ فعلى سبيل المثال –باختصار شديد– هذا الذي يمكن أن يُحسِن إلى والديه، لا حرج عليه أن يخصَّ –على سبيل المثال– أُمَّه، لأن دينه أمره بذلك؛ فإن يُبالغ كثيرًا في بِرِّه بأمِّه لا يعني أن يُفَرِّط في حقوق أبيه عليه؛ المرأة التي لا تقتصر –على سبيل المثال– على حسن تبَعُّلها لزوجها عند الحد الأدنى، وإنما تُبالغ؛ فإذا لا إشكال في ذلك، هذا لا يعني أنها فقط لأجل أن تكون حَظْوَةً عند زوجها، إن كانت لها ضرائر من زوجاته –على سبيل المثال– فإنما هي تتَّسِم بعالي الخلال وكريم السجايا؛ فهذا لا إشكال في الهُوِيِّ عن الحد الأدنى من الأخلاق التي نتحدث عنها.
والله تعالى أعلم.