✓ تم نسخ الرابط
السعادة في النصوص
ما تأصيل معنى السعادة في النصوص الشرعية وكيف تناولها القرآن والسنة؟
⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أحسنتم، قدمت القول بأن هذا التعريف أو هذا المفهوم مأخوذ من جملة من النصوص في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى الله عليه وسلم.
نجد في كتاب الله تعالى أن من أعظم النعم التي امتن الله عز وجل بها على عبده المصطفى ونبيه المجتبى محمد صلى الله عليه وسلم أن قال له في العهد المكي من أوائل السور: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1]، ووصف المؤمنين أيضا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
نعم، وحينما ذكر أنواعا من نعمه وآلائه على عباده بين أن من أعظم غاياتها أن يتحقق للنفوس السكون والسكينة والطمأنينة؛ خذ على سبيل المثال الزواج، نعم، قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون.
إذا ما يتعلق بانشراح الصدر وطمأنينة النفس وطمأنينة القلب ورضا النفس مأخوذ من هذه الآيات الكريمة وأشباهها.
ما يتعلق — في التعريف — بالاعتدال والتوازن في تلبية مطالب الحياة، مطالب الإنسان في هذه الحياة الدنيا نجده أيضا في جملة من النصوص الشرعية، نعم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32].
في الآيتين الكريمتين دلالة واضحة على منهج السعادة كما يرسمه لنا هذا الدين الحنيف.
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ مع أن السياق سياق الأمر بعبادة الله تبارك وتعالى، لكنه صدر ببيان أن الامتثال لأداء حق العبودية لله تبارك وتعالى لا يعني التجرد من زينة هذه الحياة الدنيا، بل هناك ميزان دقيق يضعه لنا القرآن الكريم حتى ونحن في عبادتنا لله تبارك وتعالى، المعبَّر عنه: «عند كل مسجد» أي عند كل موضع سجود أو وقت سجود، نعم؛ فيبدأ بقوله سبحانه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾، والخطاب لكل بني آدم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾.
فلا رهبانية في الإسلام، ولا انقطاع أيضا عن ملذات هذه الحياة الدنيا، ولا بالانصراف إليها عما يحتاجه تحقيق معنى العبودية لله تبارك وتعالى؛ ثم يتأكد هذا المعنى مرة أخرى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، لتأتي الآية بعدها لتبين أن هذا المنهج المعتدل الوسط الراشد هو مبدأ عام في سائر شؤون الإنسان المكلَّف في هذه الحياة الدنيا فيقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، نعم.
نجد فيما يتعلق بالتمكن من مواجهة، أو على مواجهة خطوب هذه الحياة الدنيا وما فيها من ابتلاءات، نجد مواضع شتى أيضا في كتاب الله عز وجل تحرِّر الفرد مما يمكن أن يورثه ضيقا وكربا وشقاء: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122]، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51]، ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].
هذه تورث يقينا وثباتا وحزما وعزما على مواجهة مختلف الابتلاءات في هذه الحياة الدنيا، واليقين أن المرد إلى الله تبارك وتعالى، وأن السعادة الحقيقية إنما هي في النجاة في الآخرة، والفوز بعالي الجنان يوم نلقى ربنا تبارك وتعالى.
ويضاف إلى هذا أيضا ما في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ إن كثيرا ممن تكلموا وبحثوا في هذا الموضوع، في هذه القضية، في هذا الموضوع موضوع السعادة، فاتتهم جملة من الأحاديث الصحيحة، من أعلاها وأظهرها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق سعد بن أبي وقاص، وقد ورد بألفاظ عديدة، ويمكن لي أن أقتبس اللفظة الجامعة لها: «أربع من السعادة»؛ ينص الحديث، يقول: «أربع من السعادة»، في بعض الروايات: «ثلاث من السعادة»، الرواية الأجمع: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والدار الواسعة، والجار الصالح، والمركب الهنيء».
هذه أربع أسباب ينص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها من أسباب السعادة في دنيا الإنسان، فهو لا يتحدث عن النعيم المقيم، لا يتحدث عن الفوز في الآخرة، يتحدث عن نعم محسوسة مادية في هذه الحياة الدنيا تورث المرء ما تحدثنا عنه من معنى السعادة؛ يقول: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والدار الواسعة» — وفي رواية: «والمسكن الواسع» — «والجار الصالح، والمركوب الهنيء»، نعم.
«وأربع من الشقاء» في مقابل الرواية تمضي: في مقابل أسباب السعادة هذه يذكر أربعا أخرى فيقول: «وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والدار الضيقة» أو «المسكن الضيق»، «والمركب السوء»، نعم، وهي مقابلة لأسباب النعم الأربعة التي ذكر أنها من أسباب السعادة، نعم.
نجد روايات من مثل: «حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة»؛ إذن هذه مظاهر من نعم الله تبارك وتعالى على عباده، وينص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنها من أسباب السعادة.
نعم، إذا التعريف المتقدم مأخوذ من هذه الأدلة الشرعية وأمثالها، مما هو كثير في كتاب الله عز وجل، نعم.
ولذلك عجبتُ مما صنعه كثير من الفلاسفة المسلمين منذ القرن الثالث أو الرابع الهجري إلى العصور المتأخرة، حينما يتناولون هذه القضية تناولا فلسفيا، وصل الحال إلى تصنيف فلاسفة المسلمين بين من يرى أن السعادة تعني تلبية رغبات العقل والفكر، ورأوا أن الفلسفة والمنطق هما الطريق الموصلة إلى كمال السعادة الإنسانية المنشودة، نعم، وبين من أغرق أيضا في الجوانب الروحية، ورأى أن السعادة في أن يتخلص المرء من علائق هذه الحياة الدنيا والفرار منها إلى تلبية مطالب الروح والإيغال في هذا الجانب، وأن الحظوة بالقرب — كما يقولون — هي منتهى السعادة، دون التفات إلى الإبداع العقلي وإلى إشباع الفكر، ولا إلى الجوانب المادية التي يحتاجها الإنسان، نعم.
ومعلوم أن منهج الإسلام إنما يؤخذ من أدلته الشرعية، وهذه الأدلة الشرعية كافية للدلالة على أن الاعتدال والاتزان في تلبية هذه المطالب هو المنهج الذي يحقق السعادة لهذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة.
كذا الحال بالنسبة لأولئك الذين ظنوا أن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تتعرض للجوانب المادية، نعم، وتلبية رغبات الجسد من أمر السعادة، وليس الأمر كذلك، بل هذا كتاب ربنا تبارك وتعالى يتحدث عن أمور نعدّها نحن اليوم من تلبية رغبات الجسد، من الأمور المادية، ويذكر أنها من مورثات السعادة؛ لأنها تورث طمأنينة القلب، وتورث الرضا، وتورث انشراح الصدر.
نعم، من الطرائف فيما يتعلق بالسعادة أن هناك بعض الآثار الضعيفة — ومن يمنّي الطالع أن الأكثر غير مطلعين عليها — لكن لأننا نتحدث عن السعادة فقد يكون من المناسب أن نذكرها للتحذير منها، نعم؛ هناك رواية: أن من سعادة الرجل خفة لحيته، الرواية ضعيفة طبعا، حاول البعض أن يقول بأن هناك تصحيفا في الرواية وأن المقصود: «خفة لَهْيِه بذكر الله تعالى»، لكن الصحيح أن هذه رواية أيضا ضعيفة، بل هذه رواية مكذوبة، نعم، لكن هذه الرواية عند بعض أصحاب السنن وردت من طرق شتى، وهي ضعيفة لا تقوم بها حجة.
لكن هذا يعني فيه طرافة في نوع بعض الآثار الواردة — كما قلت وأكدت — إنه لا تقوم بها حجة، وفيما ثبت حسنا أو صحيحا، فيما ثبت مقبولا، غنى وكفاية بإذن الله تبارك وتعالى.
من ضمن الآثار الضعيفة أيضا في هذا الشأن: أنه من سعادة الرجل أن يشبِّهه ولده، ولا أعرف ما مصدر السعادة في ذلك؛ إذا كان الرجل دميم الخِلْقة — على سبيل، وكل خلق الله حسن — فإن يشبهه لا يتمنى أن يشبهه ولده.
من ضمن هذه الروايات أيضا، من ضمن هذه الآثار الضعيفة: أن من سعادة المرء أن يكتب الله تعالى للعبد أن يُوثَق به، وفي بعض الروايات: «في دينه ودنياه»، نعم، أن يكتب له القبول فيوثَق به في دينه ودنياه، لكن الرواية ضعيفة كما تقدم.
هذا فقط لأننا نتحدث عن السعادة، فحتى نكسر الروتين، ونجعل هذا الحديث حديثا محببا إلى النفوس، نعم، وأنا أتعمد ذلك؛ لأنه كما تقدم، حينما نجد — يعني تجد الفارابي، والغزالي، وابن مسكويه، وابن رشد — أغلب هؤلاء الذين كتبوا في السعادة وأسبابها وطرق الوصول إليها وفي كنْهِها وماهيتها، تأثروا بمدارس الفلاسفة قبلهم، نعم، ولا شك أن الذي قالوه كلام قيّم مفيد، لكنه لا ينفع عموم الناس.
تصور أنهم حتى في ردّهم — على سبيل المثال — على من يجنح، أو يُفهم منه — مع أني لم أطلع بنفسي أن من علماء المسلمين من قال إن السعادة إنما تنحصر في تلبية مطالب الجسد — لكنهم يقولون، وقد أطال الإمام الغزالي في الرد على هؤلاء الذين يرون أن السعادة إنما تكمن في ما يقتنيه المرء من متاع هذه الحياة الدنيا، نعم، سمى هؤلاء بالعوام الجهال.
وبعد ذلك حصل — كما قلت — الانحياز إما إلى المدارس العقلية التي تعلي من شأن رغبات العقل، أو إلى المدارس الروحية الصوفية التي أيضا تغلي من شأن هذا الجانب الروحي على حساب مطالب الإنسان الأخرى، نعم؛ لكن الواقع العملي لأغلب هؤلاء، الواقع العملي، ومصنَّفاتهم — حينما نبحث في مصنفاتهم الفقهية والأصولية بمختلف أنواعها — نجد أن ذلك في جانب التنظير أكثر منه من أن يكون في جانب التطبيق؛ في جانب التطبيق روح هذا الدين سرت في أتباعه من علماء ومن غير العلماء، والله تعالى أعلم.
وأعتذر على الإطالة، بارك الله فيكم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢٠/٩/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬
السعادة علامة الجسد أم الروح - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي HD
مسائل متنوعة
✦ فتاوى مشابهة
تحقيق السعادة
2 👁كيف يحقق الإنسان السعادة وفق الهدي القرآني؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٠/٩/٢٠٢٠معنى السعادة
3 👁ما معنى السعادة في ضوء اللغة والنصوص الشرعية؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠/١٠/٢٠٢٠معنى السعادة
3 👁ما معنى السعادة في ضوء اللغة والاصطلاح والنظر الشرعي؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٠/٩/٢٠٢٠الدعاء للتوفيق للصيام
2 👁ما الذي يدل عليه حرص النصوص على الدعاء بالتوفيق لملاقاة الصيام؟
👤أحمد بن حمد الخليلي
١/٨/٢٠١١سعادة الدنيا والآخرة
2 👁هل يكون المؤمن سعيدا في الدنيا والآخرة مع كون الدنيا دار ابتلاء وسجن المؤمن؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٠/٩/٢٠٢٠معنى انشراح الصدر
3 👁ما علامات أو دلالات انشراح الصدر المذكور في آيات الأنعام والزمر؟
👤ماجد بن محمد الكندي
٢٨/٣/٢٠٢٣