⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، هذا الذي نفهمه من النصوص الشرعية.
ونظرة الانقطاع عما في هذه الحياة الدنيا مما أباحه الله تبارك وتعالى من زينتها ومن نعمها وآلائها لا تتناسب مع ما نجده في كتاب الله تعالى، نعم؛ فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: 14]، ثم يبين حقيقتها بعد أن بيّن أن هذا التزيين هو مما أودعه ربنا الخالق في الناس جميعا؛ قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ﴾، وهذا في سياق الامتنان، نعم، ثم بيّن أن ذلك إنما هو متاع الحياة الدنيا.
فنجد أيضا في مواضع أخرى كما تقدم في قوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]، بل حتى فيما يتعلق بالأحكام الشرعية نجد أن كثيرا من الفقهاء حينما يتحدثون عن شكر نعمة الله تعالى يستشهدون دائما بقوله سبحانه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11].
وربنا تبارك وتعالى لم يمنع النساء عن التزين، وإنما منعهن من إبداء الزينة لغير محارمهن؛ قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا﴾ [النور: 31]، لم يمنعهن من التزين وإنما منعهن من إبداء الزينة عند غير محارمهن من الرجال.
وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أيضا جوهر في هذا الموضوع: «عجبا لأمر المؤمن، كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له»؛ وإذا نظرنا أيضا في دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نجد أنه غاية في بيان الاعتدال والاتزان في تلبية مطالب نفسه؛ «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي».
ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77].
فهذه النصوص الشرعية تبين أن هذا الدين دين عملي إنساني يحقق لهذا الإنسان ما يرجوه من تلبية مطالب جسده وعقله وروحه باعتدال واتزان، حتى ينتقل إلى السعادة الحقيقية الأبدية التي لا انقطاع لها، نعم؛ لأنه مهما انغمس في نعيم هذه الحياة الدنيا وملذاتها فإنها مشوبة بكدر الانتقال عنها إلى الحياة الآخرة؛ فالموت يكدرها، والمرض يصيب الإنسان فيها، ويبتلى فيها بأنواع الابتلاءات، فهي من طبيعتها — من طبيعة الحياة الدنيا — أن الله تبارك وتعالى خلقها كذلك، وأمر عباده المؤمنين أن يلجؤوا إليه، أن يأخذوا منها ما أباحه لهم شاكرين صابرين ليصلوا بعد ذلك إلى الغاية التي يرجعون فيها إلى الله عز وجل في الدار الآخرة، نعم.
وإن أردت أن نستطرد قليلا ولو بملاحظة يسيرة… أيضا مما يمكن لي أن أزعم أنه مما انفرد به هذا الدين الحنيف أن معنى السعادة فيه لا يقتصر على بلوغ الغاية، على أن يحقق المرء الهدف، بل يشمل السعي والغاية والنتيجة.
كيف؟ أما السعي فهو في إيمانه يجد حلاوة لإيمانه، في عبادته لله تبارك وتعالى يجد حلاوة ولذة لعبادته، في سعيه في هذه الحياة الدنيا ابتغاء للرزق وعمارة للأرض، نعم، وإصلاحا لشأنه وشأن الحياة فيها، فإنه أيضا يجد سعادة وسرورا، هذا فيما يتعلق بالسعي.
ولذلك نجد أن القرآن الكريم يعتني بشأن سعي الإنسان في هذه الحياة: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]؛ فإذا كان هذا الكدح بما يرضي الله تبارك وتعالى فهذا يورثه انشراح صدر وطمأنينة نفس، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: 39-41]؛ حينما يجد المسلم هذه المعاني الواضحة في كتاب الله عز وجل فإن ذلك يورثه طمأنينة ورضا نفس أن جهده ذلك وكدحه هذا في هذه الحياة الدنيا لن يذهب هباء منثورا، هو مسجل في كتابه عند الله عز وجل، فما عليه إلا أن يخلص نيته وأن يصلح عمله وسعيه في هذه الحياة الدنيا.
وكذا الحال بالنسبة لما يحققه… ربنا تبارك وتعالى يقول في سورة يس: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12]، ثم: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12].
فإذا السعي، والغاية، والمقصد الذي يتجه إليه هذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وما يتركه بعد ذلك من آثار — نعم — ما يخلِّفه أيضا من أسوة حسنة، ومما يمكن أن يُتأسّى به فيه، ومن صدقات جارية؛ كل ذلك يورثه طمأنينةً وانشراحا، ويكشف له حقيقة هذه الحياة الدنيا.
ولذلك قلتُ: لأن هذه القضية أيضا هي قضية جدلية عند كثير من الفلاسفة من المسلمين ومن غير المسلمين؛ ما معنى السعادة؟ وأين تتمثل؟ هل في بلوغ النتيجة في تحقيق الغاية، نعم، أو في السعي نفسه؟ والحقيقة أن كل ذلك في هذا الدين الحنيف هو مبعث طمأنينة نفس ورضا قلب وانشراح صدر.