⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ليس هناك اختلاف؛ فالمقصود هو ثلاثة أيام بلياليها؛ فلما ذكر ربنا تبارك وتعالى في آل عمران «ثلاث ليالٍ سوِيًّا» فالمقصود بأنها ثلاثة أيام بلياليها، لكن إن كان يسأل عن الفارق بين الليالي والأيام فقط هنا، فهذا هو المقصود، ليس هناك اختلاف.
لكن هنا معنى لطيف وحكمة يمكن أن تُستَقْرَأ من سياق قصة زكريا عليه السلام، نعم.
فالأمر الأول المتعلق بالمعنى: هل كان ما أصاب زكريا عليه السلام باختيار منه، أو كان بحَبْسَةٍ أصابته؟ ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: 10]، نعم؛ الذي يظهر أن ذلك لم يكن باختيار منه، وإنما أصابته حَبْسَة، حَصَر، فما استطاع أن يكلِّم قومه ثلاث ليال –أو ثلاثة أيام– إلا رَمْزًا، وأمره ربه تبارك وتعالى أن يُكثِر من ذكره: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 41].
هل كان قادرًا على الذِّكر بلسانه، لكنه لا يقدر على مخاطبة قومه؟ ذلك وارد. الحاصل أنه لم يكن باختياره، على خلاف ما كان من مريم عليها السلام، نعم؛ فظاهر القرآن أنها صامت من تلقاء نفسها، صامت عن الكلام، ﴿قَالَتْ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26]، فهذا هو المعنى، مع وجود قول بأن ما أصاب زكريا عليه السلام كان أيضًا باختياره، لكنه قول ضعيف لا يؤيده ظاهر كتاب الله عز وجل، نعم.
أما لماذا طلب زكريا الآية مع أنه قد بُشِّر بالغلام بوحي من الله؟ قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [آل عمران: 41] بعد أن أُجيب دعاؤه؛ لتطمئن نفسه كما تقدم في شأن إبراهيم: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]، ثم لتحصل له البشارة بقرب حصول الأمر، ثم ليبشِّر أهله بذلك، فهذه هي الحِكَم التي من أجلها طلب زكريا عليه السلام الآية من ربه.
وهنا أيضًا معنى لطيف: هذه الآية تتناسب مع هذه المعجزة لزكريا عليه السلام؛ فدلالتها واضحة أن الأسباب كلها بيد الله تبارك وتعالى؛ فهو –رغم قيام الأسباب الداعية إلى قدرته على الكلام– لكن الله تبارك وتعالى عطَّل هذه الأسباب له، لتذكيره أنه أيضًا يفعل النتائج من غير أسبابها؛ فهو سيرزَق بولد رغم عدم قيام الأسباب الداعية إلى الحصول على الولد؛ فهو شيخ كبير وامرأته عاقر، ومع ذلك يَهَبُه الله تبارك وتعالى ولدًا، يُبشِّره بولد؛ فكما أن الأسباب معطَّلة هنا لكن النتائج بيد الله تبارك وتعالى، وإن الأسباب للخطاب والمحاورة والقول قائمة، لكن الله تبارك وتعالى عطَّلها؛ لأن كل شيء بيده، ولتأكيد هذا المعنى: إنه جل وعلا هو الذي يسبِّب الأسباب ويُرتِّب النتائج، والله تعالى أعلم.