⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم افتح لنا باب رحمتك، وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد، فإن الجواب هو أنه مع تطور هذه العلوم فإن الذي حصل أن ما كان يلزم أن يصحبها من منظومة أخلاقية إيمانية تخلفت عنها، ذلك أن أغلب هذه العلوم، ومنها علوم الطب، يقود زمام قيادتها غير أهل الإيمان، ولذلك فإنها انبتت عن منظومة الأخلاق والقيم، وعن أسس الإيمان بالله تبارك وتعالى، ومعرفة حقيقة هذه الحياة الدنيا، والمنقلب الذي يؤول إليه الإنسان، ووظيفة هذا الإنسان في هذه الحياة، وما يتقلب فيه الإنسان من أقدار الله عز وجل في حياته الدنيا.
ويظهر أن هذه النظرة سرت إلى كثير من المسلمين أيضًا، فما عادوا يلتفتون إلى الأسس الإيمانية، والمبادئ الخلقية التي كان الواجب أن تكون مقدمة على أفعالهم وأقوالهم، وعلى عموم أعمالهم فيما يتصل بآثار هذه العلوم ونتائجها في الواقع.
هذه مقدمة تحتاج إلى كثير من الشرح لكنها مهمة لفهم الجواب عن هذه المسألة.
فنأتي الآن إلى المسألة نفسها: طغيان النظرة المادية يجعل من البشر يظنون أن اكتمال البنية الجسمانية خير للإنسان وخير لحركة الحياة من إصابتها بشيء من الأمراض أو الآفات. نعم، ولا أعرف مصدر هذا الاستنتاج. لا ريب أن اكتمال أسباب الصحة والعافية والنعمة هي خير للإنسان، لكن أن يتجرد الإنسان من النظرة الإيمانية التي تجعله موقنًا أنه صنعة من صنع الله عز وجل، وأنه ملك للخالق جل وعلا، وأن هذه الحياة كلها إنما هي لله عز وجل، وهذا نجده واضحًا في كتاب الله تعالى حينما يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-156]، كلمة قرآنية غاية في كشف حقيقة هذه الحياة الدنيا، وبيان المآل الذي يؤول إليه هذا الإنسان.
فأنت أيها الإنسان بكل ما أوتيت إياه من جوارح وملكات ومواهب، وبكل ما أوتيت إياه من نعم، وخولت إياه من قوة وصحة وعافية، ما أنت إلا خلق صغير في مملكة الله تبارك وتعالى، مبدأك منه، ومرجعك إليه، فهو جل وعلا يتصرف في مملكته، يتصرف في صنعته وخلقه ما شاء، له حكمة في أقداره التي يجريها على هذه الحياة. نعم، ما عليك إلا أن تكون مطمئنًّا، واثقًا، موقنًا أن ما يقدره الله تبارك وتعالى لك أو لبني البشر هو خير لك. نعم، ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ فنحن ملك لله عز وجل، ثم إن المنقلب إليه.
الحياة ليست مادة، الحياة ليست ما نعطى إياه من نعم مادية وما نخول إياه من مقتنيات ومن زخارف هذه الحياة الدنيا ومن ظاهر زينتها، بل الحياة أعمق من ذلك في موازين هذا الشرع الحنيف. نعم، فالحياة إيمان، والحياة روح، والحياة أخلاق، والحياة قيم وآداب، والحياة معانٍ سامية ركبت في هذا الإنسان امتاز بها عن غيره من المخلوقات، وكل ذلك يكشفه الله عز وجل بتصريف أقداره في هذه الحياة، وليست هذه الوجوه بأقل شأنًا مما يتعلق بالجوانب المادية.
وهنا مكمن الجواب: نعم، فإن إصابة مولود بمرض أو عاهة لا يعني أنه عبء على المجتمع، أو أنه خسارة لذويه، نعم، أو أنه كلفة سيتحملها الوالدان، بل هو في حقيقته نعمة من نعم الله عز وجل ينبغي للوالدين أن يدركا أبعاد هذه النعمة، فالله عز وجل لعله يريد أن يكون هذا المولود سببًا لنزول بركاته عليهم، نعم، ولنزول الرحمات، ولكشف وجوه الخير في بواطنهم، ولبعثهم على تقدير النعم التي تقلبوا فيها في أنفسهم وفي سائر أولادهم، وفي من يعرفون ويحبون، لعله سبب لبسط الرزق لهم، لعله سبب لتطهيرهم وتمحيصهم في هذه الحياة الدنيا، نعم، أو لعله سبب لرفع درجاتهم في الآخرة، ولعله سبب لإنقاذ حياة ملايين البشر، نعم، حينما يتجه الإنسان بما أوتي إياه من ملكات ليبحث في أسباب هذه العاهات والعلل التي تصيب المواليد، نعم، فيبحث لها عن علاجات، ويبحث لها عن لقاحات، ويبحث لها عن وسائل الوقاية والتحصين، نعم، فإذا بالجم الغفير من بني البشر ينقذون بسبب تلك الحالة التي أصابت أسرة من الأسر.
فكل هذه الحكم إنما هي وراء مثل هذه الحالات التي تحصل في الحياة. نعم، ولا بد للوالدين، وللأسرة، وللمجتمع أن يعي مثل هذه الحكم، وأن يتخلصوا جميعًا من النظرة المادية الطاغية التي تنظر إلى ظاهر زينة الحياة الدنيا، نعم، دون أن يدركوا ما وراءها مما هو أولى وأهم، من التفكر في نعم الله عز وجل، ومن أداء حقوقه سبحانه وتعالى، ومن كشف أخلاقهم وإيمانياتهم وروحانياتهم في الصلة به سبحانه وتعالى.
وكم رأينا في واقع الأمر ممن أصيبوا بالعاهات والعلل، وإذا بهم بفضل الله تبارك وتعالى أكثر إبداعًا، وأعم نفعًا، وأشمل خيرًا من أصحاء أسوياء، نعم، وإذا بهم سبب لإنقاذ أسرهم من سبل الغواية، ومن طريق التردي الذي كانوا فيه، لأنهم التفتوا إلى أنفسهم، والتفتوا إلى العناية والرعاية بمولودهم الذي أصيب بتلك العاهة، فأرادوا له الخير، فانقذهم هذا المولود من طريق التردي الذي كانوا سالكين فيه، وهذه حالات كثيرة في المجتمع.
ولا زلنا نرى أن كثيرًا من المواليد الذين يسرُّ بهم آباؤهم وأمهاتهم، ثم ما يلبث هؤلاء حينما يصيرون شبابًا أن يكونوا وبالًا على أسرهم، نعم، ونقمة على مجتمعاتهم، يصل الحال إلى أن يتمنوا أنهم لم يأتوا بهم، لم يلدوهم في هذه الحياة. نعم، بينما نجد أن الكثير من الآباء والأمهات يرفعون رؤوسهم افتخارًا بأولاد أصيبوا بهذه العاهات من الذكور والنساء، نعم، لكنهم كما تقدم فاقوا أقرانهم، وشاركوا بأعمال يفخر بها المجتمع كله.
فليست العبرة إذًا بما يتوهمه الآباء أو الأمهات من أن مجرد الإصابة بعاهة أو بآفة تعني أننا يجب أن نتخلص من هذا المولود كله. من قال إن الحياة الدنيا هي خلوٌّ من الأذى والضر وما نكره، أو أنها يمكن أن تكون أيضًا مليئة بالشرور والفساد والمكاره؟ نعم، هذه الحياة الدنيا فيها ابتلاءات بالخير والشر، لكن فضل الله تبارك وتعالى عظيم، ورحمته بعباده أوسع، لكنها هي الحياة الدنيا هكذا، أما الحياة الآخرة فهي إما أن تكون نعيمًا مقيمًا، كلها فرح وبشر وسعادة وسرور، أو أن تكون –عياذًا بالله– نكدًا وتعاسة وعذابًا ومعاناةً وآلامًا، وهي عذاب النار والعياذ بالله.
أما هذه الحياة الدنيا ففيها ألطاف الله عز وجل، وفيها ما يبتلي به عباده لكل المعاني المتقدمة. نعم.
لأختم الجواب –وأعتذر إن كنت قد أطلت–: إن هناك حالات تُراعى فيما يتعلق بالإجهاض، هناك أحوال تُراعى تدور حول قدر الأضرار بالأم حالة حملها. نعم، فإن كان هذا الضرر بالغًا مبلغًا كبيرًا يمكن أن يفضي بها إلى التلف الكلي، أو إلى تلف جزئي كعضو أو جارحة حيوية تقوم عليها حياتها بسبب ما أصاب الجنين من أمراض وتشوهات وعاهات، فهذه داخلة في الأحكام الاستثنائية التي تدخل في حكم الضرورة التي تُقدر بقدرها. نعم.
وكذا الحال بالنسبة لإمكانية تجنب حصول الحمل أصلًا، نعم، إن كان الزوجان –على سبيل المثال– حاملين لأمراض يمكن أن تكون مصيبة للذرية بعلل وعاهات، وأكد العلم ذلك، فإنه ساعتئذ يُلجأ إلى ما وصل إليه العلم بتجنب الولادة، أو باللجوء إلى وسائل بديلة في التلقيح بين الزوجين الحيين حالة قيام عقد الزوجية بينهما، بحيث تتجنب النطف التي تصاب بالأوبئة، أو المصابة بالعلل والعاهات، ويكون الحمل للنطف السليمة الصحيحة، وهذا يمكن أن يُستعان فيه بالعلم. نعم، فهذا يعني أن الإيمان والخلق والقيم هي التي ستقود العلم، نعم، هي التي ستوجه العلم والانتفاع بهذا العلم في الوجوه التي يقبلها الله تبارك وتعالى، مع ما يدعو إليه الإيمان من الازدياد من العلم، ومن الانتفاع من العلم انتفاعًا صحيحًا، لكن لا بد أن يكون ذلك موجهًا بمنظومة الإيمان والقيم والأخلاق.
والله تعالى أعلم.