⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: لننظر في آيات كتاب الله عز وجل، ولنترك لحظة أقوال المفسرين المشهورة التي يعرفها كثير من الناس في معنى الأعراف ومن هم أصحاب الأعراف.
معنى الأعراف واضح؛ إذ الأعراف هي الأماكن المرتفعة، فالمكان المرتفع الذي يطل على ما دونه يُسمَّى عرفًا في اللغة، ومنه أُخذ عرف الديك وعرف الفرس، أي: الشعر الذي يكون في الرأس، في أعلى الرأس بالنسبة… أو في أعلى الرقبة للفرس، وفي رأس الديك.
لكن لنترك قليلًا أقوال المفسرين في تحديد أصحاب الأعراف، ولننظر في السياق القرآني؛ ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: 46]، ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾، ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾، ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾، ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 46-49].
هذا السياق القرآني نجد أن فيه أن أصحاب الأعراف هم في مكان مرتفع، يطلون فيه على أصحاب الجنة وأصحاب النار، و﴿بَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾: أي بين الجنة والنار. بعض المفسرين يقولون: هذا –يعني خارج الشرط الذي ذكرناه بداية– أنهم فريق الجنة وفريق النار، أصحاب الجنة وأصحاب النار، نعم، لكن هذا الضمير في ﴿بَيْنَهُمَا﴾ يَشي بأن المقصود بين الجنة والنار؛ لأنه لو كان فريق الجنة وفريق النار لكان الأولى أن يُقال: (بينهم)، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد: 13].
قلت: إن أصحاب الأعراف في مكان مرتفع يرون فيه أصحاب الجنة وأصحاب النار، يعرفونهم بسيماهم، يسلِّمون على أصحاب الجنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، نعم، أما فيما يتعلق بأصحاب النار فإنهم تُصرَف وجوهُهم، يكرهون النظر إلى أصحاب النار، و﴿إِذَا صُرِفَتْ﴾ وجوههم تلقاء أصحاب النار، وكأن هناك مَن يصرِفها، لا باختيارهم؛ يُمتَّعون أنظارهم برؤية ما على أهل الجنة من سيما؛ فوجوههم ضاحكة مستبشرة، سيماهم النور بين أيديهم وفي وجوههم نور، وجوههم ناضرة… لكن مع ذلك تُصرَف وجوههم إلى أصحاب النار؛ أول ما تُصرَف يقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
ثم يخاطبون أناسًا من أصحاب النار يعرفونهم بسيماهم معرفة خاصة: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، ثم يستمرون في مخاطبتهم لأهل النار، وهم يشيرون إلى أهل الجنة أو إلى بعض أهل الجنة: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾.
الآن هذا الموقف: هل هو موقفُ مَن كان حاله مترددًا؟ هل هو موقف لمن كان أمرهم غير واضح؟ هل هو موقف امتحان وابتلاء؟ هل هو موقف تردد وعدم وضوح؟ لا، هذه منزلة رفيعة عالية، هذه كرامة من الله تبارك وتعالى بنص هذه الآيات القرآنية الواضحة؛ يتبوأها هؤلاء في هذا الموقف الذي تخشع فيه القلوب، وتعنوا فيه الوجوه لله تبارك وتعالى، لكن هؤلاء في سكينة، في موضعٍ يخاطبون فيه أهل الجنة: سلام عليكم، يسلِّمون على أهل الجنة، ولكن قدرة حوارية، وممَّا يجدونه في أنفسهم؛ لأن هناك أناسًا يعرفونهم، يرون هذه السِّيمَا التي أضفاها الله تبارك وتعالى على هذا الصنف؛ فلا يرغبون أن تتحول وجوههم إلى أصحاب النار، وأول ما تُصرَف وجوههم تلقاء أصحاب النار فإنهم يذرعون إلى الله تبارك وتعالى بكل ثبات ويقين وإيمان: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ثم يخاطبون هؤلاء معاتبين، مبكِّتين، مذكِّرين: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، نعم، ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾.
هذا موقف كرامة عالية، ومنزلة رفيعة، اختصها الله تبارك وتعالى لهؤلاء، نعم.
بهذا يتضح أن القول الأَسَد أن هؤلاء أصحاب الأعراف هم من صلحاء هذه الأمة، هم من خيارها، من أفاضلها، وفي المنزلة الأعلى عند الله تبارك وتعالى، كرامةً ومنزلةً، نعم، قد يكون فيهم أنبياء، قد يكون فيهم الشهداء على الأمم جميعًا، وقد يكون فيهم من الدعاة؛ لأنهم الأدرى بأحوال الناس، الذين يبلِّغون رسالات الله تبارك وتعالى إلى الناس، نعم.
لأننا إذا أضفنا إلى هذا المعنى، إلى هذه الآيات الكريمة، ما نجده أيضًا في كتاب الله عز وجل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41]، نعم، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، وقال في الزمر: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: 69]، نعم، ثم قال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر: 70] ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: 70]؛ فالقضاء أولًا للأنبياء والشهداء على الأمم جميعًا، نعم: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾، هؤلاء هم الذين يُقضَى بينهم بالحق، نعم.
إن كان هناك من يستشكل معنى قول الله تبارك وتعالى في الآية الكريمة في هذا السياق: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: 46]، نعم، هذه الجملة تصلح أن تكون لأصحاب الأعراف، وتصلح أن تكون لأصحاب الجنة؛ فهم لم يدخلوا بعد؛ لأنهم في الموقف الآن، على كل فريق السِّيمَا التي بيَّنها الله تبارك وتعالى: أهل الجنة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: 38]، ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: 39]، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23]، وأهل النار –عياذًا بالله– عليها قَتَرَة، وجوههم مظلمة، وجوههم كالحة؛ فيعرفونهم؛ لأنه لا معنى لبقاء هذه السِّيمَا بعد دخول كل فريقٍ إلى مأواه ومستقره، إلى الجنة أو إلى النار؛ فهذه السِّيمَا في هذا الموقف: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ قد تكون من قول الله تبارك وتعالى في وصف حال الجنة، وقد يكون هؤلاء أيضًا منهم مَن لم يدخل الجنة بعد، لا إشكال في ذلك أبدًا.
وهذا يقابله أيضًا في خطابهم لأهل النار حينما قالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾، فالله تبارك وتعالى قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 49]؛ فالخطاب من الله تبارك وتعالى، وقيل: منهم من قال بأن أصحاب الأعراف خُوِّلوا في هذا الإذن من الله تبارك وتعالى أن يقولوا: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ لهؤلاء الذين كان أصحاب النار يزدرونهم ويحتقرونهم، ويسمونهم بالهوان والضعف، فإذا بهم اليوم هم المكرَّمون الذين تنالهم رحمات الله تبارك وتعالى.
إذًا هذا هو الذي يظهر من معنى أصحاب الأعراف.
والله تعالى أعلم.