مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

تقديم هارون على موسى

ما سبب قول السحرة في سورة طه: آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى مع أن ذكر هارون لم يرد قبل ذلك في القصة، ولماذا قُدِّم هارون على موسى؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا في سورة طه، وغير صحيح أنه لم يرد ذكر هارون عليه السلام قبل هذا الحدث الذي أعلنوا فيه إيمانهم؛ فمنذ اللحظة التي طلب فيها موسى عليه السلام من ربه جل وعلا أن يشرك معه في دعوته أخاه هارون، فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: 29-33]، فجاء الأمر بعد ذلك إليهما جميعًا، إلى موسى وهارون عليهما السلام: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: 43-44]. فكل الأوامر جاءت إلى موسى وهارون عليهما السلام، بل إن ذكر هارون في سورة طه يرد كثيرًا، والإشارة إليه أو توجيه الأمر واستعمال صيغة التثنية تَرِد كثيرًا في سورة طه. لكن ورد في الأعراف والأنبياء البدء بموسى عليه السلام ثم هارون، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، على غير الصيغة التي وردت في سورة طه. وفي ذلك وجوه، لكن لنقرر أولًا أن الأصل في العطف بالواو أنه يدل على مطلق الجمع، والأمر الثاني أن التقديم لا يدل على التفضيل في الجمع؛ لأننا نجد أيضًا في القرآن الكريم أن هناك عطفًا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: 2]، قدَّم الكافر على المؤمن، ونجد أيضًا: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: 20]، فلا يدل التقديم على التفضيل. بعد ما تقرر هذا يمكن لنا أن ننظر في الحكمة من التقديم والتأخير، إذ لا يخلو التقديم أو التأخير من حكمة في كتاب الله عز وجل في هذه السياقات. المشهد هو أن سَحَرة فرعون لما رأوا عصا موسى تلقف ما يأفكون، علموا يقينًا أن هذا ليس من السحر في شيء، وأن ذلك إنما أجراه الله تبارك وتعالى على يد موسى عليه السلام؛ فذلك الذي رأَوْه كان فوق قدرات البشر، ولا يمكن أن يكون إلا مصدِّقًا لما يدعوهم إليه موسى عليه السلام، لما يدعوانهم إليه موسى وهارون عليهما السلام. فهنا عبَّروا عن إيمانهم، ونحن نعلم أن فرعون حشد كبار السَّحَرة: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [يونس: 79]، وظاهر أن عددهم كبير، فلما توصَّلوا إلى حقيقة الإيمان، غالب الظن أنهم بعفوية واستجابة لنداء الفطرة واستجابة للحجة التي قامت عليهم أعلنوا إيمانهم، لم يتفقوا على قول واحد؛ فالمتبادر إلى الذهن أن منهم من قال: «آمنا برب العالمين»، ومنهم من قال: «آمنا برب موسى وهارون»، ومنهم من قال: «آمنا برب هارون وموسى» على كثرتهم، هذا هو المتوقع، ولا حاجة إلى الخوض في الدليل على هذه التفريقه، هذه ليست بتفرقة، هذا أمر طبيعي متوقع في حشد من هذا النوع. ثم لما قامت عليهم الحجة وأيقنوا بما تدل عليه الحجة عبَّروا عن إيمانهم، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أن فرعون كان يريد أن يجعل القضية شخصية بينه وبين موسى، لا يريد أن يجعل القضية قضية إيمان بالله تبارك وتعالى ومنازعةً له فيما ادعاه، وإنما يريد أن يجعل الأمر وكأنه دعوة من موسى عليه السلام، فالمسألة مسألة شخصية؛ ولذلك قال: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: 123، طه: 71]، لم يقل: «آمنتم برب موسى»، لم يقل: «آمنتم بالله»، وإنما قال: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، وقال: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: 71]، يريد أن يصرفهم إلى ما كان يوهم به قومه من قبل: من أن المسألة مجرد دعوة من موسى ومنازعة له، وأن القضية شخصية بينه وبين موسى. وهؤلاء السحرة الكَهَنة، العلماء من قومه، يدركون هذه المسألة؛ ولذلك أكدوا حقيقة إيمانهم بأقوى العبارات التي تنفي أن تكون القضية شخصية: «آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون»، أو كما في سورة طه: ﴿رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾. مع ملاحظة أنه فيما يتعلق بالأمر الأول –أي التنويع في الخطاب– استعمل القرآن الكريم إعجازًا وبلاغةً ما يناسب الجو العام للسورة، ما يناسب السياق الذي وردت فيه؛ فعلى سبيل المثال –لمزيد إيضاح وهي إضافة– سورة طه فيها ترفُّق حتى في فواصلها القرآنية، أغلب فواصلها تنتهي بالألف المقصورة: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ [طه: 2]، ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 43-44]، وهكذا؛ فالأمر فيها بالترفق واللين، جوُّها العام فيه قدر من الرفق واللين، ولذلك ناسَب تقديم هارون على موسى في هذه السورة؛ لأن موسى أميل إلى الشدة من هارون، وهذا واضح في سيرة النبيين الكريمين، فناسب في سورة طه –لأن الجو العام فيها جوُّ رِقَّة ورفق وتلطُّف– أن يُقدَّم هارون على موسى، فناسب أن يُحكى هذا الجزء من قولهم في سورة طه على خلاف الأعراف والأنبياء. ولا ريب أن ما يوجد في التفسير أيضًا من مراعاة الفاصلة القرآنية له حظ من النظر، لكنه ليس بالسبب الوحيد، والمقصود بمراعاة الفاصلة القرآنية: آخر الآية، لكن هذا غير مطَّرد، بل حتى في سورة طه نجد أن هناك إعراضًا عن مراعاة الفاصلة القرآنية ولا يزال التأثير، بل قد يكون التأثير أبلغ، لكن مع ذلك هناك –بل إن جماهير المفسرين قالوا– بأن السر إنما هو في مراعاة الفاصلة القرآنية، هذا له نصيب، لكنه ليس السبب الوحيد، وإنما هو كل ما تقدم، وقد تظهر بعض الحِكَم الأخرى بمزيد نظر وتدبر. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١٢‏/٥‏/٢٠١٩👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - 6 #رمضان 1440 هـ HD

السيرة النبويةالقرآن الكريم

✦ فتاوى مشابهة

تقديم هارون على موسى

3 👁

لماذا جاء ذكر سيدنا هارون عليه السلام قبل سيدنا موسى عليه السلام في موضع واحد من القرآن بينما في بقية المواضع يُقدَّم موسى على هارون؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢١‏/٦‏/٢٠١٥

معنى ما أنزل على الملكين

4 👁

هل السحر شيء أنزله الله تعالى على الملكين ببابل هاروت وماروت، أم أن المنزَّل عليهما علم آخر مشروع يختلف عن السحر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٦‏/١‏/٢٠١٩

هل السحر منزل من الله

2 👁

هل السحر نفسه مما أنزله الله على الملكين ببابل كما قد يُفهم من الآية، أم أن هناك فرقًا بين السحر وما أُنزل على الملكين؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

حكمة نوع معجزة موسى

2 👁

ما المزية البرهانية في أن تكون معجزة موسى عليه السلام من جنس ما برع فيه قوم فرعون من السحر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٥‏/٢٠١٩

نداء موسى لأخيه يا ابن أم

2 👁

لماذا قال موسى لأخيه هارون: "يا ابن أم" ولم يقل يا ابن أبي؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٣‏/٥‏/٢٠٢٠

تكرار قصة موسى

2 👁

لماذا تتكرر قصة سيدنا موسى عليه السلام في سور عديدة بينما قصة يوسف عليه السلام جاءت في سورة واحدة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٧‏/٧‏/٢٠١٥