⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
يعني لم يُبَيِّن هو العِلَّة المانعة من أداء الوداع.
أولًا: هناك خلاف في حُكم الوداع للمعتمر؛ وطائفة كبيرة من فقهاء المذاهب الإسلامية لا يرون وجوب الوداع في العمرة، لكن أصحابَنا، وبعضَ المتأخرين من الحنابلة، وبعضَ أهل المذاهب الأربعة أيضًا، يرون عدم التفريق بين العمرة والحج في الوداع؛ فيحمِلون قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر عهدكم بالبيت الطواف»، وفعلَه عليه الصلاة والسلام، وأمرَه لأصحابه الذين كانوا معه في حجة الوداع، على أن ذلك لا يُحصر في الحج فقط، لا، لا يقولون بذلك؛ لأنهم يقولون بأنها كانت واقعةَ حالٍ، صادف أنه قال ذلك في حجة الوداع، وهو الأمر المتأخِّر من فعلِه عليه الصلاة والسلام؛ فتُجرى هذه الأدلة القولية والفعلية على عمومها، وهذا هو القول الذي عليه أصحابنا.
ولكن اختلفوا: وهذا –يعني– الوداع إنما هو لغير المكي، وقد أعذر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم –أيضًا بنص الحديث الصحيح– الحيضَ من النساء، فلا وداع عليهن لا في الحج ولا في العمرة، ولا شيء عليهن.
وإنما اختلفوا في المريض: هل يُلحَق بمثل أحوال الحائض والنفساء من النساء، أو أن عليه دمًا في تركه للوداع؟ وطائفة من فقَهائنا يقولون: بأن عليه دمًا، وهذا القول أحوط، ولكن إن أَخَذ بالقول الآخر: إنه لا شيء عليه إن كان مريضًا لم يستطع لمرضه، فهذا القول قولٌ قوي، إنه لا شيء عليه، ومعذور كما هو الحال للحائض والنفساء، ولا شيء عليه؛ هذا في الحج والعمرة.
نحن الآن نتحدث خصوصًا عن العمرة؛ ذكرتُم الحج قبل في ذلك في الاستشهاد، لأن هناك بعض الأدلة في الوداع في العمرة، لكنها أدلة ضعيفة، وإنما محل الاستشهاد بلزوم الوداع في العمرة –لغير الحيض والنفساء من النساء، ولغير أهل مكة– إنما هو نفس الأدلة التي وردت في الحج، وكونها حصلت في الحج لا يقيِّد عمومها أو لا يخصِّص عمومها؛ لأن حصولها في الحج إنما كان واقعةَ حال، ولذلك فقوله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر عهدكم بالبيت الطواف»، مع فعله، ومع أمره لأصحابه وأهل بيته صلى الله عليه وسلم، أدلةٌ على وجوب الوداع، ولو كان ذلك في العمرة.
بعد هذا، بعد بيان الدليل، انتقل الحديث إلى المسألة خصوصًا؛ أنه فيما يتعلق بالمريض، الأصل أنه معذور من الوداع؛ لكن هل عليه دم أو لا؟ خلاف؛ لكن القول بلزوم الدم عليه هو قول طائفة كبيرة من علمائنا، وقلت: بأنه أحوط، لكن القول بأن لا شيء عليه قولٌ قوي، ولا حرج في الأخذ به، لا سيما مع أصل الخلاف عند علماء المذاهب الإسلامية في الوداع للمعتمر.
وغيرهم يُنظَر في أحوالهم؛ قد يكون الحال أحيانًا أن المانع ليس من ذوات أنفسهم، وإنما هو بسبب –على سبيل المثال– أن تُغْلَق أبواب المسجد الحرام بسبب شدة الزحام، أو قد يكون المانع أنهم لا يُسمحون لغير المُحْرِم بأداء الطواف؛ الحاصل أن هناك مانعًا خارجيًّا، لم يكن بتسبُّبٍ منهم، ولم يكن منهم أو فيهم، وإنما كان لظرف طارئ، لعِلَّةٍ خارجية منعتهم، حالت بينهم وبين الوصول إلى البيت للوداع.
في هذه الحالة يُقال: إن المسألة –نظرًا للخلاف الدائر فيها– تحتمل الآراء، ومن لم يتمكن في مثل هذه الأحوال من الوداع، إنه لا شيء عليه؛ لكن الاحتياط أسلم بالافتداء بالدم.
والله تعالى أعلم.