⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
القول بأن دعوة لوط عليه السلام لقومه لم تبتدئ بالدعوة إلى التوحيد وإلى العبادة فيه نظر.
نعم، يمكن أن نجد في بعض السياقات القرآنية أن الحوارات التي دارت بين لوط عليه السلام وقومه إنما تدور حول الفاحشة التي سبقوا بها العالمين إنكارًا من لوط عليه السلام لهم، وتعظيمًا لما هم فيه من الغي والضلال، ودعوةً لهم إلى مراشد الخير والصلاح.
لكن هذا لا ينفي أن لوطًا عليه السلام –شأنه شأن سائر الأنبياء والمرسلين– دعا قومه إلى عبادة الله تبارك وتعالى، وإلى توحيده أولًا.
فنحن نجد في القرآن الكريم في سورة النحل أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، فالقرآن الكريم ينص على أن دعوة كل رسول بعثه في أمة إنما تقوم على الدعوة إلى عبادة الله واجتناب الطاغوت.
ويقول أيضًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ…﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].
ومعلوم –كما قال القرآن الكريم– أن لوطًا عليه السلام إنما كان من المرسلين، فهو داخل في هذا العموم الذي ينص على أن كل رسول بعثه الله تبارك وتعالى إلى قوم من الأقوام إنما كان يدعوهم إلى توحيد الله تبارك وتعالى وإلى عبادته أولًا، كما يدعوهم إلى التطهر من الفواحش والرذائل التي كانوا فيها.
هذا هو الذي ينبغي لنا أن نفهم به هذه الحوارات الواردة أو السياقات القرآنية التي تتنوع من موضع إلى آخر في القصة نفسها.
وإن كان يسأل عن موضع القصة في سورة الأعراف، فأيضًا هناك حكمة، لا غرابة؛ لأن هذه الفاحشة التي تلبسوا بها، وكانوا يأتون –بنص القرآن الكريم– لم يسبقهم إليها أحد من العالمين: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80]، ولأجل ذلك سلّط لوط عليه السلام دعوته ونصحه وإنكاره المنكر على هذه القضية.
وندرك نحن اليوم كيف أن الإنسان حينما ينحط عن مستوى الفطرة السوية إلى ما هو دون الفطرة الحيوانية البهيمية، فإن الفساد يكون عظيمًا والضرر يكون بالغًا؛ فلنا أن نتصور هؤلاء القوم الذين ينحطون إلى هذا الدرك الذي لم يسبقهم إليه أحد قبلهم.
ولذلك من المتصور أن يجتهد لوط عليه السلام في التركيز على هذه القضية؛ لأنها تتنافى مع مستوى الفطرة الإنسانية، تتنافى مع الحد الأدنى من الفطرة البشرية السوية، فركّز عليها لوط عليه السلام، ودارت كثيرًا في معاتبته لهم في الحوارات التي نجدها في القرآن الكريم حينما كان يحاورهم.
لكن هذا لا ينفي أنه لم يدعُهم إلى التوحيد وإلى عبادة الله تبارك وتعالى، وإلى اجتناب هذه الضلالات وإلى اجتناب الطاغوت؛ لأنهم بذلك يمكن لهم أن يعودوا إلى أصل الفطرة السليمة وأن يتلبسوا من بعد بالإيمان.
فضلًا عما تقدم في مناسبة أخرى من أن قوم لوط –كما يُفهم من الحوارات القرآنية– نفهم أن السبب فيما وصلوا إليه هو تلبسهم بتلك الفاحشة الدنيئة والرذيلة التي لم يسبقهم إليها أحد؛ كيف أنهم بلغوا من الخلل والفساد ما لم يبلغه أحد قبلهم، فانعكس ما كانوا يأتونه من الفواحش على فكرهم وأخلاقهم وعاداتهم ونمط معيشتهم تربويًّا واجتماعيًّا ومعيشيًّا، وحتى في حديثهم انحطّوا عن كل درجات الأدب المعهودة في محاورة الأنبياء والرسل لأقوامهم، وهم منهم، لا نجد هذا في حوارات قوم لوط للوط عليه السلام.
ولذلك تحدَّوه: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: 70]، من أول الأمر لم يطلبوا حجة، لم يطلبوا دليلًا، لم يطلبوا معجزة، وإنما تحدَّوه أن يأتيهم بالعذاب، هذه هي الثقافة التي وصلوا إليها.
ولذلك نفهم أن هذا الانحطاط هو انحطاط يُدني الإنسان إلى درجة هي أحط من درجة البهائم، فركّز عليها وسلّط عليها لوط عليه السلام دعوته كما تقدم، لكن هذا لا ينفي أن ننظر إلى ما ورد في المواضع الأخرى لنفهم الصورة كاملة.
والله تعالى أعلم.