⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الإجابة العامة تنطلق من اعتزاز المسلم بدينه، مع ما يدعو إليه هذا الدين من حُسن معاملة الناس جميعًا، ومع ما نعلمه أيضًا من منزلة خاصة أعطاها كتابُ ربنا جل وعلا وسنَّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب من اليهود والنصارى فيما يتعلق بإباحة ذبائحهم، وفيما يتعلق بنكاح نسائهم تحت شروطٍ موجودة في كتب الفقه الإسلامي.
لكن مع الحاصل من هذا أن هناك معاملةً خاصة أُعطيَها أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى، مع تصريح كتاب الله عز وجل بما وقعوا فيه من أعظم الشنائع التي نُسبت إلى ربنا تبارك وتعالى؛ فالقرآن الكريم صريحٌ في بيان أعظم الفِرية التي افتراها هؤلاء في دينهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ … إلى آخر ما ورد في كتاب الله عز وجل، مع ذلك نجد أن معاملةً خاصة أُعطيت لهم، وهي جزءٌ من المعاملة بالحُسنى التي أُمِر بها المسلمون؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، ويقول: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
هنا يتضح أن المسلم –مع اعتزازه بهويته وتمسُّكه بدينه– فإن حُسن معاملته لغيره، ومنهم أهل الكتاب، بل وفي صدارتهم أهل الكتاب، لا يؤثِّر ذلك عليه، ولا ينبغي أن يؤثر عليه بحالٍ من الأحوال، بل هو المؤثِّر في غيره بإظهاره لأخلاق هذا الدين وآدابه، ولسجايا المسلمين التي تتجلى في نوع علاقاتهم مع غيرهم، وفي إحسانهم للآخرين، وفي عنايتهم بالقضايا التي تهم هذا الإنسان.
لكن الذي دفع كثيرًا من الفقهاء المتأخرين إلى التشديد فيما يتعلق بالتهاني إنما هو ما يرونه من ضعفٍ في ثقة المسلمين في دينهم، ومن اندفاعٍ نحو تقليدهم لغيرهم دون مراعاةٍ لأحكام هذا الدين ولا لشروطه وآدابه؛ ولذلك توالت النداءات من علماء متأخرين، ينهون فيه، ويصرِّحون مرةً بالحرمة ومرةً بالكراهة سدًّا للذرائع؛ لأنهم رأوا أن شخصيات هؤلاء المسلمين أصبحت مهزوزة ضعيفة، وأنهم يسعون إلى التقليد الأعمى، وأنهم لا يضعون هذا الخط الفاصل الذي يميِّزون به بين اعتزازهم بدينهم وبين حفظ حقِّ غيرهم من أهل الكتاب في ممارسة شعائر دينهم وفق ما يقرِّرون.
وهذا يقودني إلى موضوعٍ آخر أيضًا، وهو ما يتعلق بنظرتنا إلى هذه الملل والشرائع؛ لا ريب أننا نختلف عنهم؛ فنحن لنا عقيدتنا وإيماننا وشريعتنا وأخلاقنا، وهذه كلها إنما نأخذها من كتاب الله عز وجل ومن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلينا أن ندعو غيرنا إلى ديننا، وأن نبيِّن هدي هذا الدين ومراشده، لكن مع ذلك فإن دينهم لهم؛ لسنا نحن من نقرِّر لهم دينهم، ولسنا نحن من نقول ما الخطأ والصواب في دينهم.
فمحل الشاهد –أو ما أريد أن أُنَبِّه عليه هنا– هو أن ليس من شأن المسلم أن يصحِّح لغيره دينه وملَّته وشريعته؛ يبيِّن له ما عنده، ويدعوه إلى هذا الدين، ويبيِّن له ما يرى أنه خطأ، ويأتيه بالبديل، يأتيه بالحجة والبرهان، يأتيه بالحوار، ولكن كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾؛ هذه هو منهج المسلم.
… قبل المسألة –فضيلة الشيخ– يعني الآن لنضع كلامكم بين قوسين: المسلم الذي يأنس من نفسه قوةً في الدين…
قال الشيخ: هذه تخضع لظروف الزمان والمكان؛ فما كان في بيئةٍ قد تكون فيها خِلطة، قد تكون فيها طوائف من أهل هذه الملل، وقد يكون هناك تزاوج واظهار… فلها وضعها وهو وضع مختلف عن البلدان التي لا أحد فيها منهم، قد يكون جارًا له مثلًا، وقد يكون جارًا له؛ إذن هذه تخضع لظروف أيضًا. تنصيبُ بعض علماء المسلمين اليوم وبعض المشايخ –بارك الله فيهم– أنفسِهم لكي يفتوا لعموم أقطار البلاد الإسلامية في مختلف هذه القضايا لا يعني فقهَ الواقع؛ هذا لا بد من مراعاة فقه الواقع، لا بد من مراعاة عوامل الزمان والمكان.
والأمر لا يقتصر –وهذا هو الأمر الذي كنت أريد أن أُنَبِّه عليه أيضًا– لا يقتصر على هذه المسألة؛ هناك ما هو أخطر وأولى بالمعالجة…