⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولا لننظر في معنى اللغة، في دلالة اللغة؛ فالقطع في اللغة بمعنى الصرم والإبانة، هذا هو معنى اللغة، المعنى الحقيقي لكلمة القطع، يقصد من ذلك الصرم والإبانة.
ثم لننظر في استعمال كتاب الله عز وجل للقطع؛ الآية السابقة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ كيف يتحقق معنى تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف –أي بمخالفة اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، واليد اليسرى مع الرجل اليمنى–؟ كيف يتحقق معنى الحبس؟
وما يذكره هؤلاء من النفي من الأرض؛ النفي من الأرض أيضا ورد في هذه الآية الكريمة في آخر العقوبات: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فهي عقوبة مستقلة؛ إذًا هذه الآية الأولى.
الطاغية حينما رأى السحرة أن ما أتى به موسى عليه السلام ليس من صنيع السحر، وإنما هو معجزة من الله تبارك وتعالى الخالق، توعّدهم فرعون فقال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾؛ هل كان فرعون يريد أن ينفيهم أو يحبسهم أو يطردهم؟ لكان ذلك أمرا هينا عليهم؛ فهم كانوا أصلا –لا سيما من بني إسرائيل– كانوا في تنكيل وتعذيب وسخرة من فرعون لا مزيد عليها.
ولا يصح، لا يمكن في هاتين الآيتين أن تحتمل أي واحدة منهما معنى آخر.
في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ في سورة الحشر؛ يعني ما المقصود: ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها؟ أليس تقطيع، صرم هذه النخيل، جذَّ هذه النخيل، أو أن تُترك قائمة، يبيح الله عز وجل لهم ذلك في حصارهم لليهود؟
في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾؛ أيضا ما المقصود: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾؟ لا يحتمل معنى غير المعنى الذي قررته اللغة حقيقة في دلالة هذا الفعل، ومنه أُخذت باقي المعاني، أي من هذا المعنى الحقيقي؛ فالأصل أن يُنصرف إلى هذا المعنى الحقيقي، فإن وُجدت قرينة يمكن أن تُصرف المعنى إلى معنى مجازي معقول فلا إشكال حينئذ، لكن لا قرينة؛ هذه الآيات كلها تدل على أن القطع يقصد به الاستئصال والإبانة، الصرم.
وكذا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ في الرواية من طريق السيدة عائشة: لما كانت المرأة المخزومية كانت تستعير المتاع ثم تجحده، فرفع أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بقطع يدها، تحركت قريش كلها للشفاعة؛ لأنها كانت من بني مخزوم؛ هل تحركت قريش لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريد أن ينفيها أو أن يحبسها أو أن يقطع رزقها؟ وإنما لأنهم يعرفون معنى القطع، ما دلالته.
بل ورد في بعض الروايات أن يد هذا السارق بعد قطعها تُعلَّق في رقبته؛ ففي هذه الجزئية خلاف عند الفقهاء، لكن الحاصل أن الروايات أيضا –إذا اللغة وكتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم– كلها دالة على هذا المعنى.
أما استعمال صيغة التضعيف في سورة يوسف: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾؛ فذلك يدل على دلالتين: إمّا أن تكون كل واحدة منهن جرحت نفسها بأكثر من جرح، أو بالغن في الفعل نفسه، فأوشكن على إبانة الأيدي من شدة الجروح التي أحدثنها في أيديهن، ولذلك اشتهر أمرهن …
فدل على أن أمرهن انتشر وشاع …
والله تعالى أعلم.