⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ليست القضية في المهور وحدها، لو اقتصر الأمر على المهور لهان العلاج، لكن التعبير بالمغالاة في المهور أصبح معروفا اليوم أنه كناية عما يصحب الزواج من عادات وأعراف تثقل كاهل المتقدم للزواج وقد تصرفه عن الزواج بالكلية، فيحصل الفساد وتقع الفتنة في المجتمع.
أما من حيث المهور فقط فهي تتفاوت من مجتمع إلى آخر، هناك مجتمعات لا زالت تحرص على أن تُيَسِّر أمر المهور، وهناك مجتمعات تُغالي في المهور، وهذه مجتمعات كثيرة، لكن المسألة لا تقتصر على المهور وحدها، وإنما تمتد إلى نفقات الأعراس والأسفار والعزومة والدعوات، وكثير من المظاهر التي أُدخلت في الزواج لم ينزل الله تعالى بها من سلطان.
ربنا تبارك وتعالى جعل دينه دين يسر، دينا قاصدا، بعيدا عن المغالاة وعن الحرج والضيق، لكن الناس بما أحدثوا من أعراف وعادات هم الذين أدخلوا على أنفسهم الضيق والعسر والمشقة والحرج؛ وإلا فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، ويقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78]، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام: «وإنما حنيفية سمحاء، وإنما حنيفية سمحاء»، والله تبارك وتعالى كذلك يقول: ﴿وَمَا يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6].
لكن الناس أدخلوا الحرج في الزواج كما أدخلوه على أنفسهم في وجوه أخرى من وجوه حياتهم؛ فمن أجل ذلك لا بد أن يقف المجتمع، رجالا ونساء، أفرادا وأولياء أمور ومربين ومعلمين، إزاء أو في وجه هذه المغالاة في المهور وفي نفقات الزواج.
بحيث يكون الأمر –حتى يكون الأمر واضحا– لا يقتصر الحديث هنا على المهور؛ قد يتساهل الناس في أمر المهور، لكنهم كما تقدم يثقلون كاهل المتقدم للزواج، ولو لم ترغب المرأة ولم تشترط المرأة، ولعلها لا تريد، تريد أن تَظفَر بزوجها تلبية أيضا لداعي فطرة أودعها الله تبارك وتعالى فيها، تريد أن تستقر في الزواج، تريد أن تكون أما، أن تنشئ أسرة تكون مسؤولة عنها، وإذا بالأسرة من الأولياء، من الآباء والأمهات والإخوة والأخوات، يضعون هم بعد ذلك هذه الجبال من النفقات التي تثقل كاهل الزوج أو المتقدم، ويمكن أن تدفعه بعد ذلك بعيدا منصرفا عن إتمام أمر الزواج.
إذا هذا هو ما نلحظه في المجتمع فيما يتعلق بالمهور وما يتعلق بنفقات الزواج. أما عما يتصل بذلك في شرع الله تبارك وتعالى فسنجد أن جملة من الأدلة الشرعية تؤكد على أن التيسير في أمر الزواج –ليس في المهور وحدها فقط، في كل أمور الزواج– مقصد شرعي.
فالتيسير في أمر الزواج مقصد شرعي. لنبدأ حتى بما يتعلق بعموم الخطبة والتقدم للزواج؛ رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا خَطَب إليكم الكُفْء فلا تردوه» ... وقال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». هذا حث واضح من رسول الله صلى الله عليه وسلم للأولياء أن ييسروا أمر الزواج، فلا يضع الأولياء ولا تضع النساء من الاشتراطات والمطالب ما ينفِّر المقبلين على الزواج.
ثم بين عواقب الإعراض عن هذا الهدي النبوي: «إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»، وقال: «فنعوذ بالله من بواري البنات». آثار سلبية: فتنة وفساد كبير؛ لأنها إما أن تؤدي إلى عُنوس، وهذه ستؤدي إلى أمراض نفسية، وإلى فتن اجتماعية، وإلى انحراف لدى الجنسين؛ فإما أن يُكبَتَت رغباتهم ويمنعهم الدين والمروءة والخلق من الوقوع في أوحال الرذيلة، وهذا الكبت يؤدي بهم إلى كثير من الاضطرابات والأمراض والانحراف في وجوه أخرى، أو أن يطرحوا تلك القيود من الدين والخلق والمروءة، فيُتْبِعوا أنفسهم أهواءها وشهواتها.
... إذا انتقلنا إلى ما يتعلق بالمهر سنجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «أيسر النكاح أيسره»، «أفضل النكاح أيسره» كما في حديث عقبة بن نافع، وورد في المسانيد: «أفضل النكاح أيسره»، وفي حديث آخر: «أفضل الصداق أيسره». أي: وهذا نص صريح في الدلالة على أن أفضل النكاح أو أفضل الصداق هو ما كان يسيرا مقدورا عليه، ما كان خاليا من المطالب الثقيلة والاشتراطات التي لا يستطيعها الرجال أو التي تنفِّرهم.
ولا شك أن العاقل لا يريد أن يرغب عما هو أفضل النكاح، عما هو أفضل الزواج، وعما هو أفضل الصداق بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «ألا لا تُغلوا صداق النساء»، وفي رواية: «لا تُغالوا صداق النساء؛ فإنه لو كان مكرُمة في الدنيا وتقوى عند الله لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بها منكم، فإنه عليه الصلاة والسلام ما تزوج أحدا من نسائه ولا زوَّج أحدا من بناته بأكثر من اثنتي عشرة أوقية» من الفضة. هذه الرواية تدل على يُسر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمهر به نساءه أو يطلبه مهرا لبناته.
... مجموع هذه الأدلة الشرعية كلها تدل وتؤكد على أهمية التيسير في أمر الزواج، وأنه مقصد من مقاصد هذا الدين، وأن على الأفراد ومجتمعات المسلمين أن يتعاونوا على تحقيق هذا المقصد وبلوغه، وأن ينفوا عنه ما أحدثوا في واقعهم من ذوات أنفسهم من أعراف وعادات لا وزن لها عند الله تبارك وتعالى؛ مظاهر استحدَثوها، كم من زيجات لآبائنا وأجدادنا كانت خالية منها ودامت تلك الزيجات لعقود من الزمن، وهذه الأجيال اليوم نتاجها، وكم نجد أن هذه الزيجات التي تجد فيها البذخ في الإنفاق والإسراف، وهذه المظاهر الزائفة، ثم إنها لا تلبث بضعة أشهر.
فليتق الله الأولياء، وليحرصوا على مرضاة ربهم تبارك وتعالى واتباع الهدي الراشد؛ فإن فيه الخير الكثير لهم في الدنيا والآخرة.