مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

حيلة صواع الملك

لماذا دبر يوسف عليه السلام قصة سرقة صواع الملك ولم يخبر إخوته وأباه مباشرة بحقيقته، ولماذا كان الاتهام بالسرقة تحديداً؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لابد لي من مقدمه يسيره تتعلق بحض هذا الدين اتباعه على البحث والنظر والتدبر، فدعوه هذا الدين تقوم على العلم، عقيدته تقوم على العلم، فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، ومنهاج الحياه فيه يقوم على العلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، وجاء اصلا لانعاش التفكير والنظر السليم، وان يقوم الناس بالتدبر في صفحات هذا الكون وفي انفسهم حتى يصلوا الى صحيح العقيده بالله تبارك وتعالى واليوم الاخر. لكن هذا لا يعني ان يخرج المسلم في رحله بحثه هذه، وعندما يطرح اسئله يستلهم منها مزيدا من الفهم، لا يعني ان يخرج عن حدود الادب، لا سيما مع الانبياء والرسل، فان وصف نبينا يوسف عليه السلام بالاختلاق وصف لا يليق، وهذا فقط تنبيه لكي يكون محظورا منه حينما نتعامل مع تدبير الله عز وجل في خلقه، وحينما نتعامل مع مقام الانبياء والرسل الذين هم صفوه الخلق على الاطلاق، وحينما نتعامل مع ما لا نفهمه من هذا الدين، سواء كان ذلك من ثوابته او كان ذلك من فروعه، لابد من ان يكون بحثنا وسؤالنا واستقصاؤنا للحقيقه قائما على اسس من حسن الادب وجميل الاخلاق. الان ناتي الى محل السؤال. هناك مسلكان: المسلك الاول ان يقال بان ما فعله يوسف عليه السلام انما كان بوحي من الله تبارك وتعالى له، فكان لا شك وهو المسدد بالوحي، لكن هذا التدبير انما كان بايحاء من الله عز وجل له، ويستشهد من يرى هذا الراي بقوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: 76]، ما كان لياخذ اخاه في دين الملك، كذلك كدنا ليوسف، اي اعددنا المكيده، التدبير له، لكي يتمكن من الوصول الى ما وصل اليه. واما المسلك الثاني، وهو لا يقول ايضا بالانفصال عن تسديد وحي الله تبارك وتعالى ليوسف عليه السلام، وانما يقول بان يوسف بما بوأ اياه وما اوتي اياه من الحكمه والنبوه كان له نصيب ايضا في التدبير في هذا الشان. فمحل السؤال انما هو قصه اخفاء صواع الملك في رحل اخيه يوسف عليه السلام. حتى نبين كيف ان السياق القراني يعلمنا الكثير ويعطينا الكثير من المعاني التي ينبغي لنا ان نقف عندها، فيوسف عليه السلام كما حكى القران الكريم: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: 69]. هنا اسر يوسف الى اخيه، انفرد به، واطلعه على انه اخوه، كشف له هذه الحقيقه على انفراد بينهما دون سائر اخوته. فما معنى قوله: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؟ اذا يوسف لاحظ وعلم من اخيه ان اخوته لازالت فيهم بقايا من المسلك الذي كانوا عليه حينما صنعوا به ما صنعوا، وانهم ما استقاموا وما تهياوا لكي يكشف لهم هذه الحقيقه، فارد ايصالهم اليها بالتدريج، وهذا نفهمه مما لاحظه يوسف عليه السلام او ما سمعه وفهمه من اخيه، ولذلك طمانه، وغالب الظن انه تعرف منه على احوال ابيه. وحينئذ ادرك يوسف عليه السلام ما يمكن ان يكون عليه حال ابيه يعقوب عليه السلام من الثبات رغم الحزن الذي اصابه، الا ان هذا المشهد الان يعني هو يقترب من المشهد الختامي، لكنه يريد ان يكون انصح ما يكون لاخوته ولمجتمعه، لاخيه هذا، فانه راى عليه ما اورثه البؤس او الباساء، ولذلك قال: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وعلم مما سمعه من اخيه ان هذا التدبير لن يؤثر كثيرا، لن يضيف على ابيه كثيرا، لان الخاتمه قريبه، وهذا ايضا ما اكده القران الكريم، لان يعقوب عليه السلام بعد ذلك حينما اخبره اخوته بعدما عادوا اليه وقد عادوا دون اخيهم الاخر، فقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: 83]، فكان رابط الجأ ثابتا، مستلهما للامل من الله تبارك وتعالى. الان هل اتهم يوسف عليه السلام اخوته بالسرقه؟ الذي ناداهم بنداء السرقه انما هو المنادي، ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: 70]، فكان هذا من المنادي. هل كان ذلك بايعاز من يوسف عليه السلام؟ يحتمل ذلك، لكن القران الكريم لا ينص على هذا، فان كان محتملا، فانه لانهم اختطفوه حينما كان صغيرا، اختطفوه بعدما اعطوا موعدا لابيهم ان يحفظوه وان يمنعوه، فلذلك هم سارقون في الحقيقه. ثم بعد ذلك بين القران الكريم ان هذا التدبير هو الذي ادى الى ان يتمكن يوسف عليه السلام من استبقاء اخيه معه حفظا له ايضا، لانه راى ما كانوا يصنعونه به او سمع او اطلع او تفرس فيه ما كانوا يصنعونه به، فاستبقى معه حفظا له ريثما تختتم هذه القصه. ولذلك قال: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: 76]، لان الشريعه السائده في ذلك الوقت عند ملك مصر ما كانت باستبقاء من اتهم بالسرقه، اما في شريعه يعقوب عليه السلام، وقد اخذوها من لسان اخوته، قالوا: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: 75]، الاسترقاق حينئذ كان في شريعه يعقوب، وهم الذين حكوا هذه الشريعه لهم، فكان ذلك سببا في استبقاء اخي يوسف عليه السلام عنده. هل كان اخوه يوسف مؤهلين للمشهد الختامي للمرحله الاخيره؟ ما كانوا كذلك، لانهم فورا حينما راوا ان الصواع في رحل اخيهم، تحركت فيهم الكوامن القديمه، قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: 77]، ارادوا ان يتبرؤوا، ان يتنصلوا من ان يكون هذا الفعل منهم هم الذين تربطهم رابطه الاخوه، رابطه انهم اشقاء، وارادوا نسبه ذلك الى الفرع الاخر من اخوه ابيهم، فرع يوسف عليه السلام. ومع ذلك كان يوسف الحليم الرشيد، ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 77]، قال ذلك في نفسه، واسرها يوسف في نفسه، تاكد هذا ايضا، اي تاكد انهم كانوا لا يزالون في غيهم. فلما استياسوا منه خلصوا نجيا، قال كبيرهم، اخوهم الاكبر، حينما جمعهم بعدما ياسوا، وحاولوا ايضا استرحام قبل ذلك، قالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف: 78]، كانوا يراعون رده فعل ابيهم الان، ومع ذلك فلما اجتمع بهم اخوهم الاكبر، قال لهم: ﴿قَدْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيوسُفَ وَأَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: 80]، ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ [يوسف: 80]… ومن قبل ما فرطتم في يوسف. فهو في هذه الحاله يريد ايضا ان يتجنب المواجهه، لا يريد ان يرجع الى ابيه وان يكشف له الحقائق، حتى انه لما وجههم حينما يعودون الى ابيهم، قال لهم ان يقولوا لابيهم: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ [يوسف: 81]، وما شهدنا الا بما علمنا، اثبتوا عليه السرقه، ما قالوا: انه اتهم في سرقه او حكم عليه في سرقه، وانما قالوا: ان ابنك سرق، وما شهدنا الا بما علمنا. اذا هذه الاحداث الحكمه فيها واضحه، هذا التدبير الذي كان من يوسف عليه السلام كان تدبيرا في غايه الحكمه، وفي اروع ما يمكن ان يليق بالانبياء والرسل الكرام عليهم الصلاه والسلام، وهذه المعاني ويمكن استلهام الكثير منها من سياق القصه القرانيه هي التي تكشف هذه اللطائف وتبين ما كان عليه حال يوسف عليه السلام. ولذلك قدمت بانه لا يليق ايضا ان، قد تكون السائله او السائل وجد هذا السؤال في شيء من المواقع، فنقله كما هو، لكن هكذا حينما ندرس القصه في كتاب الله نجد ان فيها الكثير من العظات والعبر والحكم اللائقه بمقام النبوه التي يمكن ان تكون ايضا مفيده لمعرفه كيفيه التعامل مع هذه النفوس الشارده حتى تعود بنفسها وتثوب الى رشدها وتتوب الى ربها جل وعلا، وهذا ما حصل في المشهد الختامي حينما انكشفت لهم الحقيقه، فانهم طلبوا من اخيهم، ثم طلبوا الصفح من والدهم بعد ذلك. والله تعالى اعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢٢‏/٥‏/٢٠١٨👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - 6 رمضان 1439 هـ HD

القرآن الكريمسيرة الأنبياء

✦ فتاوى مشابهة

اتهام يوسف لأخيه بالسرقة

2 👁

كيف نفسر اتهام سيدنا يوسف عليه السلام لأخيه بالسرقة مع أن ذلك خلاف الواقع، وهل يعد هذا كذباً لمصلحة وما ضوابط هذه المصلحة؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٨‏/٥‏/٢٠١٢

سبب لبث يوسف في السجن

2 👁

هل يصح ما ورد في بعض الروايات أن يوسف عليه السلام مكث في السجن بضع سنين لأنه لم يستعن بالله بل استعان بصاحبه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٠‏/٦‏/٢٠١٦

تكرار قصة موسى

2 👁

لماذا تتكرر قصة سيدنا موسى عليه السلام في سور عديدة بينما قصة يوسف عليه السلام جاءت في سورة واحدة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٧‏/٧‏/٢٠١٥

يوسف واستغلال الوظيفة

2 👁

هل طلب يوسف عليه السلام من إخوته إحضار أخيهم بعد أن صار على خزائن الأرض يعد استغلالاً للوظيفة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٦‏/٧‏/٢٠١٥

خروج يوسف للنسوة

8 👁

لماذا استجاب يوسف عليه السلام لدعوة امرأة العزيز في الخروج على النساء رغم خطورة ذلك عليه كشاب؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٩‏/٧‏/٢٠١٤

استفهام عن قصة يوسف وأخوته

2 👁

في قوله تعالى عن يوسف عليه السلام: (ائتوني بأخ لكم من أبيكم)؛ كيف لم يتبادر إلى أذهان إخوته أنه عرف أن لهم أخاً من أبيهم، ولماذا طلب منهم أن يأتوه بأخيه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٥‏/٦‏/٢٠١٧