⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: ما هي الرخصة في عُرْف الفقهاء؟ الرخصة: القول الذي هو عارٍ من الدليل، والقولُ العاري من الدليل ولو قاله من قاله فإنه لا يُعتدُّ به، إذ لا يعدل الإنسان عن الدليل إلى غيره.
قد نجد من الفقهاء من يقول: «ورُخِّص»، ولكن في مصطلحه أن هذه الرخصة هي قولٌ لم يقم عليه دليل، ومن المعلوم أن الإنسان متعبَّدٌ باتباع الدليل مع وجوده؛ فإن كان الدليل قطعيًّا فالتعبُّد به أمرٌ قطعي، وإن كان الدليل ظنيًّا فالتعبُّد به أيضًا أمرٌ ظني، وهو ـ وإن كان لا يُقطع بعذْلِه إن خالف الدليل الظني ـ إلا أنه إن كان ذلك تبعًا لهواه فلا ريب أنه لا يجوز له ذلك، إذ ليس للإنسان أن يُعرض عن الدليل مع قيام الحجة به.
ولا ريب أنه مع وجود الدليل الشرعي من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان هذا الدليل نصيًّا أو كان ظاهرًا، لا يجوز للإنسان أن يعدل عنه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]، ويقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، وهو سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
فليس للإنسان مع وجود الحجة في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كانت هذه الحجة حجةً نصية أو كانت ظاهرة، أن يقوم باعتصار ذهنه من أجل أن يصل إلى قولٍ يخالف الدليل الشرعي.
هذا، ومع هذا أيضًا: الأدلة تتعارض، وقد يكون الدليل الذي يأخذ به العالم هو الدليل الأقوى، وليس للعالم أن يعدل عن الدليل الأقوى إلى الدليل الأضعف، لأنه مطالب أن يُقارن بين الأدلة وينظر المرجِّحات ما بين هذه الأدلة؛ فقد يكون هنالك دليل، ولكن هنالك ما يدل على أن ذلك الدليل دليلٌ منسوخ، وأنه نسخه دليل آخر، فلا تكون الحجة في المنسوخ.
كذلك: إن كان دليلُ الرخصةِ عمومًا، ودليلُ العالِمِ الذي لا يترخَّص خصوصًا، فإن الخصوص يُقدَّم على العموم، كذلك إن استدل أحدٌ بالإطلاق مع وجود ما يُقيِّد، فإنه لا يعدل إلى المطلق مع وجود المقيَّد؛ إذ المطلق يجب أن يُحمَل على المقيد، كما أن العام يُحمَل على الخاص، وهكذا.
فهذه الأشياء لا بد من النظر فيها، وقد يكون الدليلان متكافئين من حيث قوتهما، ولكن مع ذلك أحد الدليلين يتفق مع مقاصد الشرع، والآخر قد يكون ـ مع اعتبار المقصد الشرعي ـ لا يتفق مع مقصد الشارع، فلا بد من مراعاة ذلك.
فلذلك كان من الواجب على الإنسان أن يتفطَّن لمثل هذه الدقائق، وهذه الأشياء لا يُدركها العوام. على أن الذين يأخذون بالرخص إنما يريدون التلفيق ما بين آراء أهل العلم ليخرجوا رأيًا لم يقله أحدٌ من أهل العلم قط؛ بحيث يأخذون من هذا العالم الترخيص في مسألة كذا، ويأخذون من قول العالم الثاني الترخيص في مسألة كذا، ويأخذون من العالم الثالث الترخيص في مسألة كذا، وإذا بهم يأتون خليطًا من هذه الآراء لم يقله أحد من أهل العلم قط، وفي هذا ما يؤدي إلى فساد الدين، ويؤدي إلى الميوعة، وهذه أمور لا يرضاها الإسلام قط.
والله تعالى أعلم.