⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا ريب أن تلك الرؤوس الطاهرة هي سجل حافل بالأحداث التاريخية التي لها أثر كبير على نفس المؤمن، فبدايةً من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام عندما جاء إبراهيم عليه السلام بولده إسماعيل في طفولته وتركه مع أمه هاجر عليهما السلام في ذلك المكان اختبارًا من الله سبحانه وتعالى، وحصل ما حصل من إشراف ذلك الطفل وهو إسماعيل على الهلاك لعدم وجود الماء، فكانت هاجر تتردد جيئةً وذهابًا بين الصفا والمروة، فشُرع من أجل ذلك السعي بين الصفا والمروة تخليدًا لهذه الذكرى وتبصيرًا للناس بما يؤول إليه أمر الصبر عند الصابرين.
ومرورًا بما حدث من تشييد قواعد البيت من قبل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وكانا يرددان دعاءهما وابتهالهما إلى الله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 127-129].
ثم في نهاية المطاف ما كان من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عندما جاء وجهر بدعوة الحق، وصدع بها على مسمع ومرأى من قريش في ذلك المكان بعدما أنزل الله تعالى عليه قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، فجاء إلى الصفا ورقى إلى ذروته، ونادى في قريش: «وا صباحاه»، فاجتمعوا من حوله وقالوا: إن بالرجل لَأَمْرًا، فقال لهم: «أرأيتم إن لو أخبرتكم أن خيلًا وراء هذا الجبل مغيرة عليكم أكنتم مصدقيَّ؟» قالوا له: ما جربنا عليك كذبًا، قال لهم: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فبادره عمه أبو لهب بتلك البادرة السيئة عندما قال له: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله ما أنزل، وكانت هذه بداية المواجهة بين دعوة الحق التي نادى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين عتو قريش الذين صدوا عن هذه الدعوة واستكبروا ووقفوا في وجه هذه الدعوة، وحرصوا على أن يحولوا بينها وبين مسامع الناس.
وظل النبي صلى الله عليه وسلم يواصل ليله بنهاره من أجل تبصير الناس بالحق ودعوتهم إليه وتعريفهم به، يدعوهم إلى الله وإلى الإيمان به وباليوم الآخر، وكانت هذه الدعوة يكاد صوتها الخافت يُحال بينه وبين الأسماع بذلكم الضجيج الذي كانت تثيره الجاهلية لأجل حيلولة الناس عن قبول هذا الحق والإصغاء إلى هذا الصوت.
ولكن هذا الصوت الخافت الذي بدا أول الأمر ضعيفًا إزاء تلك الأصوات الصاخبة، وصلت هذه الدعوة إلى حيث وصلت، ولم يألُ النبي صلى الله عليه وسلم جهدًا، ولم يألُ أصحابه الذين آمنوا به والتفوا من حوله جهدًا في إيصال هذا الحق إلى الناس، فكانت تلك النقلة التاريخية التي محت آثار الجاهلية من الجزيرة العربية وحوَّلت الجزيرة بأسرها إلى قلعة للإسلام، وانطلق منها نور الحق ليشع في العالم، وليطوي سُجُف ظلمات الجهل والجاهلية.
فهذا فيه عِبْرة للمؤمن، فإنه عندما يفِد إلى هذه الأماكن التي تحفظ هذا التاريخ لا ريب أنه يستشعر هذه المواقف العظيمة، ويعود بزَادٍ من الإيمان وبزادٍ من قوَّة اليقين بأن الله تعالى بالغ أمره، ومهما يكن من تحدي الجاهلية ووقوفها في وجه الحق فإن الحق يعلو على الباطل: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18]، وهذه هي سنة الله تعالى في خلقه.