مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

سبب فجوة السلوك والمعرفة

ما سبب الفجوة بين مبادئ الإسلام الداعية إلى المعرفة وبين سلوك المسلمين العملي البعيد عن هذه المبادئ؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الإسلام هو رائد جميع الاتجاهات نحو العلم، الإسلام مبني أساسا على العلم والمعرفة وليس مبنيا على الأوهام. فإن كان هناك من الملل من يرى أن سعادة الإنسان في أن يغمض عينيه ويسد أذنيه ويغلف عقله لئلا تصل الحقيقة إليه فتفسد اتجاهه، وكان أيضا هناك من يرى أن خطيئة آدم أنه أكل من شجرة العلم، فإن الإسلام بخلاف ذلك تماما، بل يرى أن العلم هو مناط تكريم الإنسان ورفع قدره وإعلاء شأنه. ناهيك أن الله سبحانه وتعالى بيّن في كتابه العزيز كيف كان الحوار ما بينه وبين ملائكته الكرام عندما أذن الملأ الأعلى بخلق الإنسان واستخلافه في الأرض، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: 30-33]. هذا يدل على أن الإسلام ينظر إلى العلم أنه سبب التكريم الذي بُوِّئه الإنسان وارتقى إلى أوجه، ووصل إليه من مشيئة ربه سبحانه وتعالى. ثم مع هذا نجد أن الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز عندما خطب هذه الأمة الخاتمة في هذه الرسالة الخاتمة التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاطبها في شخص نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام موجها إليه الأمر بالقراءة عندما قال: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: 1]، فكانت هذه الكلمة فاتحة الوحي الشريف، لم تكن فاتحة الوحي كلمة «اعبد» أو كلمة «اخضع لله» أو كلمة «أطع ربك» أو كلمة «انقد لأمر الله سبحانه وتعالى»، مع أن المطلوب هو انقياد الإنسان لله، إذ لا سعادة للإنسان إلا في انقياده لله، ولا يكون هذا الانقياد إلا من خلال العبادة بمعناها العام، بمعناها الصحيح، بحيث تشمل كل طاعة من طاعات الله سبحانه وتعالى، وإنما كان الأمر موجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون موجها إلى الأمة بأن تقرأ. نعم، كانت هذه الكلمة هي فاتحة الوحي الشريف، ولم تكن كلمة أخرى لتحل محل هذه الكلمة، فلو جيء بكلمة «تعلّم» أو كلمة «اعلم» أو كلمة «افهم» أو كلمة «أدرك» أو كلمة «تصوّر» أو نحو هذه الكلمات، لما وَفَت بما تُوَفِّي به هذه الكلمة من المعاني العظيمة التي هي في الحقيقة مرادة، وهي مطلوبة. فإن الله سبحانه وتعالى أراد لهذه الأمة أن تكون أمة اختراع، أمة قراءة، أمة علم، أمة تُعنى بنشر العلم من خلال وسائله ووسائطه؛ ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى بالقراءة، لأن القراءة إنما هي قراءة للمكتوب، قراءة لما يُدوّن، ومعنى هذا أن هذه الأمة مطالبة بأن تعتني بالعلم وتدوينه، وأن تتلقى العلم بوسائله، فهذا العلم المطلوب هو علم اكتساب، وليس يعني هذا أن يتلقى الإنسان العلم فيضا ربانيا من غير أن يُعنى بطلبه ويشمّر عن ساعديه من أجله، بل هذا العلم إنما هو علم طلب يتوصل إليه بوسائله. ولذلك ذكر الله تعالى القراءة إيذانا بأن هذا العلم لا بد من أن يُدوَّن حتى يكون مقروءا، وليكون بسبب ذلك مخلدا في الآجال يتلقاه كل جيل عن الآخر، وليكون منشورا بين الناس تتلقاه كل أمة عن غيرها من الأمم. ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى أيضا في هذه السورة وفي هذه الفاتحة الشريفة أعظم وسيلة من وسائل العلم التي يتمكن الإنسان من خلالها من تدوين هذا العلم ونشره عبر الأجيال المتسلسلة، ومن خلال انتقال المنشور من مكان إلى مكان، تلكم الوسيلة هي وسيلة القلم، فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]. هذا دليل على أن العلم إنما يُطلب من الإنسان أن يُعنى به أعظم عناية، والعلم لا ريب يشمل كل جانب من جوانب الحياة، بل نجد نحن أن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم يبين أن آياته عندما يصرفها إنما يعقلها العالمون، ويقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَذَكَّرُونَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، كم من آية تدل على شرف العلم ومكانة العلم، ومكانة العقل، ومكانة الفكر، ومكانة النظر في ملكوت الله. على أن الإنسان مطالب بأن ينظر في ملكوت الله سبحانه وتعالى، وأن يتأمل نظام هذا الكون، وأن يضع كل شيء موضعه؛ آدم عليه السلام فُضِّل على الملائكة بما آتاه الله تبارك وتعالى من علم، ذلك لأن هذا العلم إنما هو وسيلة فهم هذه الحياة ووسيلة التعامل مع هذه الحياة، فآدم أراده الله لأن يكون خليفة في الأرض، حياته تختلف عن حياة الملائكة، الملائكة لا تحتاج إلى التعامل مع الكائنات التي يحتاج إليها ابن آدم أن يتعامل معها، وبذلك كان آدم اختص بالعلم الذي لم يُؤته الملائكة. فمعرفتك بالأسماء تؤدي إلى معرفة تمييزك بين هذه المسميات بحيث يسمي كل شيء باسمه ليميزه من الآخر، ثم مع ذلك من خلال هذا التمييز ما بين هذه المسميات بسبب هذه الأسماء يتمكن الإنسان من معرفة خصائص هذه المسميات ليتعامل معها وفق الخصائص التي أودعها الله سبحانه وتعالى في تكوينها، فبهذا يتبين أن الإنسان هو بحاجة إلى العلم. على أن القرآن الكريم يدل على أن الإنسان خُلق ليستمتع بهذا الكون وليرتفع به؛ الكون كله مسخر للإنسان، الله تبارك وتعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، ويقول: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13]، بل نجد في القرآن الكريم عندما يعرف الله سبحانه وتعالى عباده بنفسه، ويعرّفهم بالآيات التي في الأنفس وفي الآفاق، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21-22]، ويمتن في هذا السياق على البشر بأنه خلق لهم ما في الكون، إذ يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ثم يقول أيضا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، من هذا يعني أن الإنسان لا بد من أن يعرف خصائص الأشياء وأن يبحث عن مكامن العلم في أسرار هذا الوجود حتى يتوصل إلى معرفة حقائق الوجود وكيف يمكنه أن يسخر هذه الكائنات لمصلحته. فالقرآن الكريم يشحذ الهمم، يبعث العزائم لأن تكون أمة الإسلام أمة رائدة في العلم تسبق الأمم الأخرى، وهذا هو الذي كان عليه السلف الصالح؛ السلف الصالح كان رائدا في العلم عندما كان الناس يعيشون في الظلام، ولكن الأمة الإسلامية بسبب ما وقعت فيه من الاختلاف والتنازع والتشتت، والإخلاد إلى الهوى، والبعد عما يدعو إليه القرآن، وما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السلف الصالح من الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة والتابعين، وصلت هذه الأمة إلى ما وصلت إليه من الهوان، حتى صارت تعيش على فُتات موائد الآخرين، بل صارت تعيش على ما يتساقط من أيدي الآخرين من موائدهم. هذا يدل على أن هذه الأمة بعدت عن النهج السوي، بعدت عن كتاب الله، بعدت عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فالقرآن الكريم حافز إلى العلم، داع إلى الاكتشاف، داع إلى النظر في هذه الكائنات.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٣١‏/٥‏/٢٠١١👁 2 مشاهدة
🎬

فتاوى للشيخ/ أحمد الخليلي - ليلة 4 رمضان 1427هـ

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

سبب الجهل والتطرف

2 👁

هل الوضع العلمي الذي أفرز التطرف والعنف بين المسلمين ناتج عن مؤامرات خارجية أم عن المسلمين ومناهجهم أنفسهم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٨‏/٢‏/٢٠١٥

اختلاف المذاهب أمام غير المسلمين

2 👁

كيف يتعامل المسلم مع غير المسلمين الذين يبدون رغبة في التعرف على الإسلام لكنهم يتأثرون برؤية اختلاف المذاهب الإسلامية وتناقض تصرفات المسلمين في بلاد الدراسة؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٧‏/٢٠١٣

لماذا المسلمون متخلفون؟

2 👁

إذا كان الإسلام منهج حياة يقدم الخير للبشرية فلماذا لا يزال أتباعه في ذيل القافلة بينما الحضارات الأخرى تهيمن اقتصاديا وسياسيا، وأين تكمن المشكلة؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٦‏/٨‏/٢٠١٣

أهمية العلم للمسلمين

2 👁

ما أهمية العلم والبحث العلمي عند المسلمين في صلاح معاشهم ومعادهم وكيف ينظر الإسلام إلى ذلك؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

أسباب تفاوت الأمم في التعليم

2 👁

لماذا تتقدم بعض الأمم في التعليم بينما تظل أخرى تراوح مكانها رغم وضع الأهداف الاستراتيجية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

أهمية العلم للمسلمين

2 👁

ما أهمية العلم عند المسلمين وكيف ينظرون إليه في صلاح معاشهم ومعادهم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢١‏/١٠‏/٢٠١٨