⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين إلى مرضاة رب العالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فأبدأ بتوجيه التحية إلى إخواننا وأخواتنا المشاهدين والمشاهدات من المسلمين والمسلمات مهنئًا إياهم بهذا الشهر الكريم المبارك، شهر الخير والمرح، شهر القرآن والإحسان، شهر الصيام والإنعام، الشهر الذي أنزل الله فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.
ولا ريب أن اطلال هذا الشهر على الأمة الإسلامية أمر يستوجب أن تقف الأمة جميعًا معه وقفة محاسبة للنفس ومراجعة لسجل الأعمال، وهذا الأمر كما يعني الأمة فإنما يعني الفرد أيضًا، والأمة إنما تتكون من الأفراد، والأمة إنما تستقيم وتنحرف بأفرادها، فإن كان أفرادها على استقامة وصلاح كانت لبناتها لبنات صالحة، وأدى ذلك إلى تماسك هذه اللبنات وترابطها، وإن كان العكس والعياذ بالله فإن الغاية أيضًا معلومة.
وكل فرد من الأفراد في كل موسم من المواسم، وفي كل محطة من محطات العمر، يجب أن يحاسب النفس، فإن العمر يسير بالمرء سيرًا حثيثًا لا يتوقف في أي لحظة من اللحظات، لا يتوقف في ذكر الإنسان أو غفلته، في صحته أو سُقمه، في قوته أو ضعفه، في مكره أو منشطه، في أي حال من الأحوال يسير هذا العمر بالإنسان هذا السير الحثيث، وكل لحظة تمر إنما هي على حساب العمر، على لحظات ينقص العمر.
مرَّها تؤكد آمال البقاء وتزيد إذا ما تقاضى المَرْءُ يومٌ وليلةٌ تقاضاه شيءٌ لا يَمُلُّ التقاضي.
فالليل والنهار يسيران بالإنسان هذا السير الحثيث، وبمقدار هذا السير ينتقص العمر، لذلك حَرِيٌّ بالإنسان عند أي موسم من المواسم الدورية وعند أي محطة من محطات العمر أن يكون كثير الحساب، بل يجب الإنسان ألا يبيت ليلة إلا وقد حاسب نفسه، وصفّاها من أكدارها، وتاب إلى الله توبة نصوحًا، إذ الممسي لا يدري هل يصبح، والمُصبِح لا يدري هل يمسي، وهكذا سنة الحياة.
ولكن كما قلت: الأمة تنوء بمسؤولية، لأن الأمة تمتد في هذه الحياة ما بقيت الحياة، الأمة تمتد وأفرادها يتعاقبون في محيطها، هذا آتٍ وهذا ذاهب، هذا غادٍ وهذا رائح، كما هي سنة الله تعالى في هذه الحياة، وإنما هذه الأمة يجب أن تحاسب نفسها في كل موقف من المواقف وفي كل موسم من المواسم: هل هي أدت ما عليها؟
إن الأمة مطالبة بمطالب عظيمة: مطالبة بأن توحد كلمتها، وأن تُرَأِّب صدعها، وأن تحل مشكلاتها، وأن تجمع شتاتها، وأن تحرص على احتضان أفرادها ليكونوا جميعًا في محيطها على النحو الذي يرضاه الله تبارك وتعالى.
والله تعالى بيَّن أن وحدة هذه الأمة موقوفة على عبادتها لربها وتقواه، فإنه عز وجل يقول: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، ويقول: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52]. فالإنسان يُطالَب بأن يعبد الله، وأن يحرص على تقواه، ومن خلال هذه العبادة تتوحد هذه الأمة، إذ تتوحد مشاعرها، وتتحد أحاسيسها، وتتحد مبادئها وغاياتها، وتتحد كلمتها وأعمالها، حتى تسير على نهجٍ سوي، وعلى كلمة سواء ترضي ربها سبحانه وتعالى، وتسعى إلى ما فيه مصلحة جميع أفرادها.
ولا ريب أن اللقاءات التي تتم بين قيادات هذه الأمة الفكرية لقاءات مباركة، نحن نتفاءل بأن هذه اللقاءات تؤدي إلى أن يذوب الجليد، وتؤدي إلى أن تُردَم الهوة التي تفصل بين جوانب من هذه الأمة، وتؤدي إلى أن تتآلف القلوب، وأن يجتمع الشمل، وأن يتوحد الصف، وهذا الذي نسعى إليه، وهذا الذي ننادي به، ننادي دائمًا في كل موقف بأن الأمة يجب أن تقف وقفة واحدة.
إن كانت هناك مناقشات، أو كانت هناك مراجعات، أو كانت هناك ملاحظات، فإن ذلك كله إنما يجب أن تتم مناقشته في إطار من الود والتفاهم، على أن تكون الكلمة التي من خلالها تتم المناقشة بين الأطراف كلمة هادئة هادفة، ليس فيها مساس بشرف أحد، ولا مساس بكرامة أحد، إنما الكلمة تؤلِّف ولا تنفِّر، وتجمع ولا تفرِّق، وتوحد ولا تشتِّت.
هكذا، ونحن نرى أن كل شيء شرع في الإسلام هو داعٍ إلى الوحدة، نحن الآن في هذا الشهر الكريم، شهر القرآن والفرقان، شهر الإيمان والإحسان، شهر العبادة والعمل، نحن الآن في هذا الشهر وهو شهر الصيام، نستنشق روائح عطرية من القرآن الكريم الذي نزل في هذا الشهر الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم، والذي كان داعيًا إلى وحدة الصف، ورأب الصدع، وتوحيد الشتات، وتأليف القلوب، ودرء كل ما يسبب الفرقة والتشتت بين الأمة.
ثم مع ذلك: إن الله سبحانه وتعالى جعل في العبادة التي شُرعت في هذا الشهر، وهي عبادة الصوم، ما يقضي الناس على حمل أمانة القرآن، والسير في منهج القرآن، ولذلك جمع بين الامتنان بإنزال القرآن وبين فرضية الصيام، صيام هذا الشهر الذي أنزل فيه القرآن، عندما قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185] ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.
ولئن نظرنا في عمق الصيام واستقرأنا حكم الله تعالى من مشروعيته، وجدنا أن الصيام من دواعي الألفة، ومن دواعي الوحدة، ومن دواعي الاستعلاء على رغبات النفس التي تُشَتِّت البشر، وتُقسِّم أشتاتهم، كل طائفة منها ترى أن الحق عندها، وترى أنها أولى بأن تتبوأ مَبْوأ الكرامة دون غيرها من الطوائف.
الله سبحانه وتعالى فرض الصيام لما فيه من تهذيب النفس البشرية. نحن نرى كيف أن الصيام من أسباب الوحدة، ومن أسباب الألفة، ومن أسباب تقريب الناس بعضهم من بعض، فالصيام هو من العبادات ذات الأثر الذي يُرهِف حس الإنسان، من العبادات التي تذكر الأغنياء بحاجة الضعفاء، والمحاولات التي تُرَقِّق الشعور، وتُحيي الضمير، وتهز الوجدان؛ فإن الصيام يذكر الأغنياء –كما قلنا– بحاجات الفقراء، وكم هي حاجات الفقراء، وكم يكون بين الأغنياء والفقراء فجوة وجفوة عندما لا يرق الأغنياء للفقراء، ولا ينظرون إليهم نظر الرحمة.
ثم من ناحية أخرى نجد أن الصيام أيضًا هو يسوي بين الناس، يمنعهم من الأكل جميعًا في لحظة واحدة، لا فرق بين قوي وضعيف، ولا بين حاكم ومحكوم، ولا بين غني وفقير، ولا بين جنس وجنس، الكل إذا جاءت تلك اللحظة يُمنَعون من تناول الطعام والشراب، ثم يستمر هذا الحال إلى لحظة معينة، في تلكم اللحظة يُؤذن للكل أن يتناولوا طعامهم وشرابهم في وقت واحد، فهذا مما يسبب النظام بين الناس، ويقوي جانب المساواة بينهم.
ومع هذا أيضًا: الصيام مدرسة أخلاقية، فإنه يَعوِّد الإنسان على مكارم الأخلاق، ويَنهى به عن مَدَامِّ الأخلاق، ألا ترون أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صيام إلا بالكف عن محارم الله»، ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
ثم مع هذا: الصيام يَعوِّد الإنسان على أن يكون دائمًا متحملًا لأذى الآخرين، لا يحرص على أن يقابل الإساءة بإساءة، وأن يقابل الكلمة النابية بمثلها، وإنما يقابل الكلمة السيئة بالكلمة الحسنة، ويقابل الكلمة الخبيثة بالكلمة الطيبة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن أحد سابه أو قاتله فليقل: إني صائم».
نعم، هذا هو أثر الصيام في النفس البشرية، وعندما تتوطن النفس على مثل هذه الأخلاق، وعلى مثل هذه الفضائل، فلا ريب أنها تستمر وهي تتحلى بحُلَّتها في سائر العام، وبهذا تتحقق التقوى التي أشار إليها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
والله تعالى أعلم.