⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا يوجد في القرآن نفسه؛ الله تعالى الذي قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، و﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، ماذا قال للنبي صلى الله عليه وسلم؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، حتى في القرآن نفسه، فلا إشكال، لا يوجد تعارض، وإنما كل شيء له محلُّه وموضعُه، ولكل مقام مقال.
فلا يكون المؤمن ذليلا في موضع يريد الشرع منه أن يكون عزيزا، ولا يكون جبَّارا عاتيا في موقف يريد منه الشارع أن يكون رحيما. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان في حال الحرب وفي حال القتال شديدا غليظا على الكفار، لا يريد هو وأصحابه إلا منتهى القوة والشدة، ما كان عندهم خَوَر، ولكن في مقام السِّلْم وفي حال السلم كانوا رحماء بالناس، يتعاملون مع غير المسلم بمنتهى الخُلُق، وهذا الذي جذب الناس إلى دين الإسلام.
النصوص الشرعية هكذا تُفهَم: لا يُضرَب بعضها ببعض، وإنما يُحمَل بعضها على بعض، ويُنَزَّل كلُّ نصٍّ في موضعه، فلا نتعجَّل في ردِّ الأحاديث، فعلينا ألا نتعجل في ردِّ الآيات؛ لأنه كما يوجد ما ظاهره التعارض بين الروايات يوجد أيضا ما ظاهره التعارض في القرآن، ولكن لا تعارض.
يعني مثلا: الله تعالى يقول: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، و﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾، في نفس الآيات يأتي الله تعالى ويقول بأنه ما أصابك من شيء فمن الله – كان حسنة وسيئة – هنا ظاهره تعارض: كيف يقول الله تعالى الحسنة من الله والسيئة من نفسك، ثم يقول: كل ما أصابك من مصيبة فمن عند الله؟ نقول: لا تعارض، وإنما هذا باعتبار وهذا باعتبار؛ ما أصابك من حسنة فمن الله: أي تفضلا وتكرما وعونا وتوفيقا لها، وما أصابك من سيئة فمن نفسك: بسبب ما في نفسك من ميل إليها، فخذلك الله فوقعتَ في المعصية، أما كون المعصية من عند الله: أي الخلق والإيجاد والتقدير، فلا تعارض.
فكذلك عندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله»، ليس المقصود أن الرسول صلى الله عليه وسلم يَسُلُّ سيفه ويمضي على الناس، كل من ليس بمسلم يقتله، من يفهم بهذا المعنى فهو مخطئ قطعا؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستقبل غير المسلمين، وكان يتعامل معهم، وإنما معنى الحديث: «أمرت أن أقاتل الناس» في حين قيام القتال، «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله»؛ يعني إذا وقعت الحرب وقامت الحرب، فهنا أقاتلهم ولا أتوقف عن قتالهم حتى يدخلوا في الإسلام؛ لأن الحرب قائمة. وبعض أهل العلم حمل الحديث: «أمرت أن أقاتل الناس» على قريش أو على كفار العرب الذين كانوا يقاتلونه، وليس على عمومه وإطلاقه كما هو ظاهر لفظه، والله تعالى أعلم.