⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
على كل حال هذا السائل جزاه الله تعالى خيرا أسس القضية على حرمة هذا التصرف مطلقا: هل نقول كل أرقام السيارات يحرم بيعها؟ أولا أبين شيئا: أرقام السيارات ليست ملكا للإنسان حتى يبيعها، أرقام السيارات هو في الحقيقة عنده حق الانتفاع، أما الرقم ذاته فهو مملوك للدولة؛ فالدولة هي التي تملك الرقم من حيث حقيقته، لكنه حق تعطيه الإنسان وتمنحه إياه: يا فلان أنت أعطيت الرقم الفلاني، قد يكون رقما مميزا أو غير مميز، أنت أعطيت الرقم الفلاني، فهو حق للإنسان، يتاح له أن يجعله على سيارته لأجل أن تميز سيارته من غيرها، لكنه لا يباع بذاته، الرقم لا يباع، ومن هنا ما دام هذا الإنسان أعطي هذا الحق لأجل أن يجعله على سيارته فهو لا يستطيع أن يبيعه لسواه، وإنما يتنازل عن هذا الرقم لسواه.
هذا التنازل هل هو حق مالي أو ليس حقا ماليا؟ من حيث الواقع والحقيقة حق مالي، بمعنى أنه يريد رقما معينا، وهذا الرقم له، هو خاص به، لا يملك أحد أن ينزعه عنه، ويأتيه آخر يقول له: أعطني هذا الرقم، تنازل عن هذا الرقم لي، يقول: لا أتنازل إلا بمقابل مالي، نقول في هذا الحال: الأصل أنه جائز؛ لأنه حقه، كما يتنازل الإنسان عن بقية حقوقه الأخرى يمكنه أن يتنازل عن هذا الحق، ولا حرج عليه فيه من حيث الجملة.
على أن هنالك بعض الأرقام بسبب بعض الميزات التي فيها تجعل الناس يقصدونها أكثر من سواها، فبسبب تعلق بعض المنافع بها؛ مثلا بعض أرقام الهواتف أو بعض أرقام السيارات أو نحو ذلك، في الهواتف مثلا هذا يظهر فيها أرقام مميزة، فالذين يريدون التوصيل ويريدون الإعلانات في السيارات وغيرها التي تمضي في الشوارع، أنت تريد رقما يُحفظ من لمحة عين، بعض الأرقام تحفظها من لمحة عين، هذا الرقم يأتيه بمنفعة مادية معينة، وليس في ذلك حرج أن يبيعها وأن يتنازل عن هذا الرقم لسواه. هذا من حيث الجملة، أنه حق مالي يمكن أن يكون هنالك تعاوض عن هذا الحق المالي.
نحن سنأتي إلى شيء آخر، وهي تصرفات الإنسان بماله: هل يجوز للإنسان أن يتصرف بأمواله كما يشاء؟ الأصل في الإنسان أن يكون رشيدًا، لا أن يكون سفيهًا؛ السفيه هو الذي يبذل من المال في مقابل منفعة لا تستحق ذلك المال. من حيث التعاقد بين الأفراد لا حرج ولا تحديد للأثمان بين الأفراد، لا تحديد للأثمان في هذا؛ لكن من حيث تعامل الإنسان مع أمواله لا يجوز للإنسان أن يبذل أموالًا أولا لأجل الفخر والمفاخرة والكبرياء والغطرسة والتكبر؛ الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة»… فإن كان المقصود من هذا الشراء التكبر ونحو ذلك، فإننا نقول: إن التحريم سيكون من هذا القصد المحرم عند الشراء.
أما العقد ذاته فالعقد صحيح؛ لأنه عقد بين راشدين مؤهلين للتعاقد، الأصل فيه أنه جائز، والعوض هنا مال، ومحل التعاقد هنا حق مالي يصح أن يُتعاوض عنه بين هذين الطرفين؛ لكن الذي يعرض عليهما من الصفات الخارجية هو الذي قد يحرمه: قضية حب الشهرة، والغطرسة على الناس ونحو ذلك، والرياء كذلك.
الأمر الثاني: مسائل الموازنة بين الواجبات التي على الإنسان، الموازنة هذا أمر واجب؛ لا يجوز بحال من الأحوال أن تكون على الإنسان نفقات واجبة، وهو في الوقت ذاته يصرف أمواله لمثل هذه التفاهات، يريد أن يكون رقمه مميزا بثلاثة أرقام ولم يطعم أولاده، وقد يكون عنده أبوان أو أقارب ممن يجب عليه أن ينفق عليهم، هم غير قادرين، فيصرف أمواله لمجرد الشهرة ونحوها، ولا يعطي هؤلاء، لا يجوز؛ هنالك إنفاق واجب وإنفاق غير واجب، كيف أضحي بالإنفاق الواجب وآتي بالإنفاق غير الواجب؟ من أين جاء قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾… إذن الإنسان يكون سفيها إن كان يبذر أمواله في غير مصلحة ترجع عليه، وقد يكون أيضًا هذا الإنسان سفيها حينما يبذل أمواله بغير واجب، وعنده إنفاق واجب لكنه لا يأتيه، فيحرم بسبب هذا العارض.
إذن التعاوض من حيث الجملة لا حرج فيه، ولذلك نقول: إنه لو كان هنالك متوفى وعنده مثل هذه الأرقام المميزة، وتوفي هذا الإنسان، وعنده ورثة في الوقت ذاته، ونحن وجدنا لهذا الرقم من يريد أن يأخذه وأن يجعل مالكه الأصلي يتنازل عنه نظير مبلغ، نقول خمسة آلاف أو عشرة آلاف ريال… علاقة ذلك الإنسان بربه من حيث الفخر والرياء والذين ينفقون عليهم أنا لا أعلم عنها، وإلا فإننا سنشترط في كل بيع وشراء أن يكون هنالك إنسان يأتينا بالحالة النفسية والحالة المعنوية لهذا الإنسان: هل هو مسرف أو ليس مسرفا؟ هل هو ينفق هذه الأموال ويقصر في حق من يجب عليه الإنفاق؟ هذا كله غير راجع، وإنما العلاقة بين الإنسان وربه.
فلذلك نقول: وجدنا لهذه الأموال أو لهذه الأرقام مبلغا كبيرا للأيتام هنا، نبيعه ونعطيهم الأيتام ولا حرج في ذلك بإذن الله. إذن في قضية التنازل عن هذه الأرقام نحن ننظر إلى شيء: هل هنالك محذور شرعي آخر مع هذا الشخص الذي يشتري هذه الأرقام أم لا؟ وهذه العلاقة بين الإنسان وربه؛ ففي الأحوال التي يكون فيها إسراف، والأحوال التي يكون فيها تبذير، أو في الأحوال التي يكون فيها رياء وسمعة، حب السمعة ونحو ذلك، وفي الأحوال التي يكون فيها إنفاق لهذه الأموال في شيء غير واجب وهنالك تضييع لشيء واجب، هذه نقول: نعم، ستحرم بسبب هذا العارض، ولكن ليس بذات التعاقد، والله تعالى أعلم.