⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
إن كان الحال كما هو في هذا السؤال، فإن هذا الرجل لم يكتفِ بأن طلَّق امرأتَه بما يُخرجها من عصمته خروجاً باتّاً، وفراقاً لا شبهة فيه، وإنما ازداد إثماً ووزراً فوق وزره وإثمه؛ لأنها تَبِين منه بالثلاث، وهو من أول لفظ قاله حينما قال لأولاده: "أمكم طالق بالثلاث"، فقد بانت منه بالثلاث.
هذه الأحكام مبنية على الألفاظ؛ الطلاق، واليمين، والنذر، والعتق كلها أحكام شرعية مبنية على الألفاظ، فالألفاظ هي التي تحددها. من نذر نذراً فإنه يُلزِم نفسه بلسانه، فإذا كانت الصيغة صيغة نذر فإن الواجب عليه إنفاذُ نذره، ومن أقسم يميناً، فإذا كانت الصيغة صيغة قسم فإن عليه أن يبرَّ بيمينه، ومن طلَّق وتلفَّظ بلفظ طلاقٍ صريح فإن الأثر يترتب على هذا الطلاق، لا عِبرة لها بالمقاصد؛ ما يجري واحد بلفظ الطلاق الصريح ويقول: لا، أنا ما أقصد. «ثلاثٌ جدُّهن جدٌّ، وهزلُهن جدٌّ: الطلاقُ، والنكاحُ، والعتاق».
ثم إن الطلاق حقٌّ للزوج شرعه الله سبحانه وتعالى، وأنا اخترت هذا السؤال لكثرة مسائل الطلاق التي تصل إلينا دون رَوِيَّة، ودون عقل، وبدون حِكمة.
أنا أسأل: هل يملك أحدٌ من الناس أن يُصادِر حق الزوج في الطلاق؟ لا يملك أحد؛ يعني هذا رصيدٌ عند الزوج ينفق منه متى شاء، فإذن لماذا ينفق منه في حالة الغضب؟ لماذا ينفق منه في حالة التهديد؟ لماذا ينفق منه في حالة القلق؟ لماذا ينفق من دونما حاجة أصلاً؟ لأنه إذا نُفِد هذا الرصيد لا يُعَوَّض أبداً، لا يُعوَّض. فلو فهم الناس هذه الحقيقة لما تعجَّلوا في التطليق، هم يتعجَّلون في أمرٍ ينفقون من رصيدٍ جعله الله سبحانه وتعالى حقاً لهم خالصاً، لا يملك أحدٌ مصادرته، فليكن إنفاقه حينما يحتاجون، ولا يجدون مصدراً آخر، لا يجدون سبيلاً لإصلاح ذات البين، ولتقويم الزوجة، ولا لصلاح الحال في الأسرة، وعلاج المشكلات؛ يلجؤون إلى الحوار، إلى التضحيات، إلى الإيثار، إلى الاستشارة، إلى التحكيم، تعدم كل هذه الطرق، ساعتها يأتي ويطلِّق طلاق السُّنة؛ لكن يأتي ويطلق الثلاث دفعةً واحدة، ثم يضيف إليها تسعة ألفاظ، هذا وِزرٌ عليه، هذه كلها أوزار.
فهو يطلِّق، وقد يكون متعسِّفاً في تطليقه إياها، ثم بعد ذلك يأثم أيضاً من هذه الألفاظ التي لم يشرعها الله سبحانه وتعالى، هذه المرات التي لم يشرعها الله تبارك وتعالى، ثم يأتي ويكذب ويدلِّس لكي يأخذ المرأةَ على غير فراش حلال. كيف يَسوغ له أن يضحك على الناس؟ هل يضحك على ربِّه ومولاه، العليمِ الخبير، البصيرِ المطَّلع، الذي لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء؟ أم أن الناس، أولياء المرأة، أو المجتمع، أو الناس جميعاً، إن هو كذب ينفعونه يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم؟ هل تغيِّر شهادةُ الناس له شيئاً عند الله عز وجل إن كان الله تعالى مطَّلعاً على خلاف ما يُبدي للناس؟ كيف يقبل؟
ثم لماذا يحاول، وقد أباح الله عز وجل له أن يتزوج؟ لماذا يوقع نفسه وغيره في الحرام –والعياذ بالله– أصلاً؟ الرجعة لا تحتاج –بالمناسبة– لا تحتاج إلى موافقة الأولياء؛ والله تعالى يقول: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، في ذلك: أي في أثناء العدة، هذا حق للزوج. أما إن خرجت المرأة من عدتها فنعم، لابد من عقد زواجٍ جديد، وهذه ليست رجعة، هذا تزوُّج بمهر، وإذن المرأة، وإذن وليِّها، ثم الشهود، هذا عقد جديد لا يُسمَّى مراجعة. أما في العدة، لو كان الطلاق رجعياً، فالحق للرجل أن يُرجِع امرأتَه إلى عصمته، سواء رضيت أو لم ترض، أولياؤها رضوا أو لم يرضوا، طالما أن الطلاق رجعي فإن الحق كلَّ الحق للزوج في أن يردَّ المرأة إلى عصمته.
لكن يأتي ويجلس ويكذب، فهذا بُهتانٌ وزور، ومنكر من القول –والعياذ بالله– ولذلك فعليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، وليس للمرأة –إذا كانت المرأة هي التي تسأل– ليس لها أن تمكِّنه من نفسها، بل تدفعه عن نفسها قدر ما تستطيع، ولو أن تَفتدي نفسها منه بالخلع بالفدية، أن ترفع أمرها إلى أوليائها، وأن تستشهد أولاً أولادها، فإن لم يَرتدِع رفعت الأمر إلى القضاء.
والله تعالى أعلم.