⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
يقول السائل: أنا متسلف من بنك ربوي، هل يجوز لي أن أذهب إلى الحج؟
ما شاء الله، على كلٍّ، إن كان هنا نفرق –ما أدري، لأول مرة أطرق في هذا– نفرق بين هذه الالتزامات بين البنوك الإسلامية والبنوك الربوية.
أما البنوك الربوية، أثبتُّ في حديثي الأول أن على صاحب البنك الربوي أو الدين الربوي أن يتخلص من هذه المعاملة، هو مدين.
فلَو كان لإنسان مثلًا –حتى تكون القضية واقعية، وحتى نفهمها جيدًا– تصوروا أن إنسانًا راتبه 1000 ريال، عليه دين ربوي، يؤخذ منه قِسْط شهري مقداره 500 ريال مثلًا، طيب، وإن كان لا يحتاج إلى 500 ريال، 600 ريال، نقول: يُؤخَذ منه 400 ريال في كل شهر، تبقى له 600 ريال، والدين الذي عليه 100000 مثلًا مع الزيادات الربوية.
فهذا الإنسان تبقى له 600 ريال، وأخذ 200 ريال في كل شهر ادخرها لأجل أن يذهب إلى حج بيت الله الحرام، قُلْنا: لأنه يذهب هو وزوجته مثلًا.
في أشهر معينة تجتمع لهذا الإنسان 2000 ريال أو 3000 ريال، ليشمل الحج حِجَّةً له، وحِجَّةً لزوجته، وهو في الوقت نفسه مدين بـ 80000 ريال.
عنده 3000 ريال ادخرها، لأنه يأخذ 200 ريال من شهر ويصرف في كل شهر 400 ريال، تكون الأمثلة واضحة إن شاء الله.
فعنده 3000، وعليه 80000، يصرف في كل شهر 400 ريال، الـ 400 ريال على قدر ضرورته وحاجته وغير مسرف، طيب، فأراد بهذه الآلاف الثلاثة أن يتم الحج إلى بيت الله الحرام.
هنا تُوزَن القضية أمامكم وزنًا حقيقيًّا صحيحًا صريحًا: هل الحج على هذا الإنسان واجب أو ليس واجبًا؟ ووفاء الدين الربوي هل هو واجب أو ليس واجبًا؟
الحج كما قلنا قبل قليل إنما شرطه الاستطاعة، بمعنى: حينما تستطع، وتكون لديك أموال فاضلة عن حوائجك الضرورية، فحينها نبدأ نقول بأنك –يا فلان– يجب عليك أن تذهب إلى حج بيت الله الحرام، ولكن أن يكون عليك 80000، وبدين ربوي، في الوقت نفسه تريد أن تذهب إلى حج بيت الله الحرام، الحج غير واجب عليك؛ لأنك لا تجد المال الفاضل، هذه الآلاف الثلاثة التي ادخرتها المفترض أن تصرفها للوفاء بالدين الربوي، تتخلص من العقد، تُحَرِّر نفسك.
يقولون: التخلية قبل التحلية، أنت قبل أن تتحلى بطاعة تخلى عن المعصية.
كيف ستذهب بعد ذلك إلى الله تعالى في عرفة وغيرها، يا رب، يا رب، وأنت مسكنك بنيته من الحرام؟ كيف تفعل هذا الأمر؟ هذه 3000 ريال، الواجب عليك شرعًا أن تنفقها في المحرم الذي يقع عليك، الذي يقوله الفقهاء: من ترتب عليه أمرٌ محرمٌ مثل هذا الأمر، فإنه لا يجوز له أن يتوسع في مطعمه، ولا في مأكله، ولا في مسكنه.
بمعنى: عليه دين محرم لأناس، وهم يطالبونه –محرم أو غير محرم– المهم أنه مطالب بدين، لا بد أن يفي به، قال الفقهاء: هذا واجب عليه أن يفي بهذا الدين، وفي الوقت نفسه كل ما يفضل عن حاجاته الضرورية فالواجب عليه أن يحولها إلى مثل هذه الحقوق، حقوق الآخرين، هذا هو الواجب.
لا يُطَالَب بالتفنن في أن يأتي الضيوف إلى بيته يومًا بعد آخر، أن ينوع في الأطعمة وغيرها، أن ينوع في ملبسه وملبس أولاده، هذا ترف في الأموال، وفي الوقت نفسه طالبٌ أن يؤدي ما عليه، لا يجوز له هذا.
حتى إن بعض الفقهاء قالوا: إن المفلس المُفَلَّس هو الذي تغلب الديون على موجوداته المالية، قالوا: إن المفلس حينما يحكم الحاكم أو القاضي بتفليسه لا يبقى له شيء –يعني– أشد الأحوال وأصعبها، قالوا: لا يبقى له إلا ما يستر عورته، وما عدا ذلك يُبَاع على الناس؛ لأنه قليل في جنب أموال الناس.
فنحن كثيرًا لا نفتش في مثل هذه الأمور، الدين في الشريعة ليس كباقي الأمور، له سياسة معينة في كيفية التعامل معه.
فهذا الإنسان كيف يحج؟ الحج غير واجب عليه، الحج –ربك– النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، يا فلان، أنت غير مستطيع، أنت عليك 80000 ربويَّة وتريد أن تحج، أنت غير مستطيع، الحج غير واجب عليك، في حين أن التخلص من العقد الربوي واجب عليك.
فكيف تقدم نفلًا على واجب؟ لا يمكن أن تقدم هذا النفل على هذا الواجب، لا بد من أن تقدم الواجب.
ومن هنا، فهذا الإنسان مُبْتَلًى، عليه أولًا أن يتخلص من الربا، أن يدخر كل أمواله، يقتِّر على نفسه وعلى أولاده لأجل أن يتخلص من الربا، هذا الأمر الأول، فإن توفي في هذه الفترة فهو سالم عند الله تعالى من حيث الحج؛ لأن الله تعالى لم يفرض عليه حجًّا في هذا الظرف، وإن يسر الله وانتهى من الربا، وتحققت له الاستطاعة المالية والبدنية بعد ذلك، فحينها يحج ولا إشكال، بإذن الله تعالى.
أما أن يذهب الآن فلا.
والله تعالى أعلم.
إن وجد من يتبرع للذهاب إلى الحج، هنالك حالات قد تُسْتَثْنَى في مثل هذه الحالات، بمثل هذه الأمور، لو أن إنسانًا –الآن اتفقنا– أن كل ما فضل عن ضروراته فعليه أن يفي به الدين، وينتهي على هذا، طيب، هنالك حالات لا يُنْفِق الإنسان فيها شيئًا، وإنما يُتَبَرَّع له من الغير، بأن يذهب في بعثة معينة، هنا يُخاطَب أولًا بالتوبة من الربا والتعامل المحرم، بعد تحقق هذا إن ذهب في بعثة: بعثةٍ دينية، بعثة الأوقاف، بعثة عسكرية، أو بعثات أخرى، فلا إشكال؛ لأنه لن ينفق شيئًا من المال.
الأمر الثاني: إن كان ذهابه لأجل أن يأتي بمال أكثر حتى يأتي به لأداء الدين، بمعنى: لو أن إنسانًا طُلِبَ ليكون سائق أجرة، سائق حافلة للحج، سيعطى أموالًا من هذا الذهاب، وسيحج في الوقت نفسه، هذه الأموال سيستفيد منها للوفاء بالدين الربوي، لذلك لا مانع في مثل هذا الحال؛ انتبهوا، لا مانع، لماذا؟ لأن شرطنا الأول هو ماذا؟ أن ينتهي تمامًا من الربا لأجل الحِلِّ، وهو في الوقت نفسه مقارن بأن يفي بالدين الربوي.
لكن الاستثناء في هذه الحالات لا بد له من أن يختتمه بالتوبة النصوح من هذا الربا.
والله تعالى أعلم.