مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

التعامل مع خلاف العلماء

هل يجوز للمسلم العادي عند تعدد الآراء الاجتهادية المبنية على أدلة ظنية أن يعمل بالقول الذي يرتاح له أم أن هناك ضوابط لذلك؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن المسائل الشرعية تنقسم إلى قسمين اثنين: القسم الأول هو ما ثبتت فيه أدلة شرعية أدلة قطعية، وذلك لا يكون إلا من كتاب الله تبارك وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتواترة، بشرط أن تكون دلالة كل دليل على ما دل عليه من باب دلالة النص، وهي الدلالة التي لا تحتمل إلا معنى واحدًا. فإذا كان ذلك الدليل مقطوعًا به من حيث الثبوت، أي كان من الكتاب العزيز أو من السنة المتواترة كما قدمت، وكانت دلالته من باب دلالة النص، أي لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فهذا الدليل يكون مقطوعًا به، ويكون ما دل عليه أيضًا مقطوعًا به، ولا يجوز الخلاف في ذلك. ولكن لا بد من أن يكون ذلك الدليل إذا كان من السنة متواترًا حقًّا، وإلا فإن طائفة من الناس قد ادعت تواتر طائفة كبيرة من الأحاديث، وقد نازع كثير من العلماء في ذلك التواتر ولم يعترفوا بذلك، بل ذهب بعض العلماء إلى تضعيف بعض الأحاديث التي ادعى فيها بعض الناس بأنها متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والأمثلة على ذلك كثيرة، ولولا أن الوقت لا يتسع لذلك لأوردت طائفة من تلك الأحاديث، وقد ذكرت مجموعة لا بأس منها في كتاب خاص أرجو أن يصدر بمشيئة الله تبارك وتعالى في القريب العاجل، وسترون بمشيئة الله تبارك وتعالى أن تلك الأحاديث التي حكم عليها كثير من العلماء بأنها ضعيفة قد ادعى بعض العلماء أنها متواترة. فإذا لا بد من أن يؤخذ الأمر بشيء من الحيطة والحذر، فلا يحكم لحديث بالتواتر إلا بعد أن نتيقن ذلك يقينًا لا يحوم حوله شك ولا ريب. ومن هنا فإننا ننكر أشد الإنكار على طائفة من الناس قد ضللت كثيرًا من المسلمين بسبب أنهم خالفوا بعض الأحاديث المتواترة بحسب دعاويهم، مع أن أولئك العلماء لا يعترفون بثبوت تلك الأحاديث، وإلا لو كانوا يعتقدون أنها ثابتة وأنه لا معارض لها لما خالفوها، ولو كانت من باب الآحاد إذا كان ذلك في الأمور الفرعية، فكيف إذا كانت متواترة؟ والمقام يحتاج إلى بسط طويل جدًّا، والوقت لا يتسع لذلك كما قلت. وأما المسائل الفرعية، وهي التي لم يثبت فيها دليل قاطع، بأن جاء الدليل فيها: إما أنه قاطع من جهة الثبوت، مقطوع به من جهة الثبوت ولكن دلالته على مدلوله ظنية، أو أنه لم يأت من طريق التواتر بأن كان من الأخبار الآحادية ولو كانت دلالتها على ما دلت عليه قاطعة، فإن هذا لا يمكن أن يحكم به، فإن هذا لا يمكن أن يقال بأنه مقطوع به في نفس الواقع؛ ذلك لأن الدليل إذا لم يكن متواترًا بأن جاء من الآحاد، فإننا ولو حكمنا عليه بالثبوت، ولكننا لا يمكن أن نحكم عليه بالقطع، أي لا يمكن أن نقطع بصدوره عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإن ظننا أنه ثابت عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ونحن نجد في كثير من كتب الحديث نجد طائفة كبيرة من العلماء قد تحكم على بعض الأحاديث بأنها صحيحة ثابتة أو حسنة أو ما شابه ذلك، ثم إنهم يجدون بعض العلل ويحكمون على تلك الأحاديث بالضعف أو الشذوذ أو ما أدى إلى ذلك، كما أننا نجد بعض العلماء قد حكموا على بعض الأحاديث بالضعف، ثم يجدون لها شواهد أو متابعات ترتقي بها إلى درجة الحسن أو الصحة فيحتجون بها. وكذا الأمر لو كان ذلك الدليل مقطوعًا به ولكن دلالته تحتمل ذلك الأمر الذي يظهر منها وتحتمل معاني أخرى، فإنه لا يمكن أن نقطع بأن ذلك الظاهر هو المراد من ذلك الدليل ولو كان ذلك الدليل قطعيًّا في نفسه، وذلك لأنه يمكن أن نجد مخصصًا أو مقيدًا لذلك الدليل الذي لم يكن نصًّا في مدلوله. فمثل هذه القضية يتسع فيها الخلاف، ولكن بشرط ألا يخالف الإنسان نصًّا ثابتًا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع ظهور دلالته على مدلوله بمجرد التشهي، ولا يمكن أن يقع ذلك ممن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر، إلا أنه قد يظن بعض العلماء أن ذلك الدليل ليس بثابت وهو ثابت في حقيقة الواقع فيخالف بسبب ظنه أنه لم يثبت، أو أنه يظن أن هذا الحديث لا يراد به ذلك المعنى الظاهر بل يصرفه إلى معنى أبعد من ذلك، وفي الحقيقة يراد من ذلك الدليل هو المعنى الظاهر على حسب ما يظهر لبعض العلماء. وهنالك أسباب كثيرة جدًّا يقع بسببها الخلاف أو يقع بها الخلاف بين العلماء في المسائل الفرعية، وبالتالي لا يمكن لأحد أن يضلل عالمًا خالف في شيء من هذه المسائل. ولكن الضعيف إذا وجد خلافًا في مثل هذه القضايا فإنه ينبغي له أن يسأل عالم عصره –إذا تمكن من السؤال– بأن يرجح له القول الراجح الذي يدل عليه الدليل، فإن لم يتمكن من ذلك فيمكنه أن يأخذ بما ظن أنه الصواب، بأن رأى بعض الأقوال قد دلت عليها بعض الأدلة ولم يقدح فيها –حسب علمه– أحد من العلماء، بل رجح بعض العلماء من المتأخرين الذين يشهد لهم بطول الباع وسعة الاطلاع مع تقوى الله تبارك وتعالى. فإذا لا بد من أن يقصد الحق، أما أن يأخذ قولًا بمجرد التشهي وما شابه ذلك فهذا مما لا يصح. فمن استطاع أن يسأل فلا بد أن يسأل، ولا سيما في المسائل التي يكثر فيها النزاع وتتفتت بسبب الخلاف فيها الأمة. وأما بالنسبة إلى المسائل التي لا يمكنه أن يسأل فيمكن أن يأخذ فيها بما ذكرناه مع حسن القصد. وأريد أن أنبه إلى أن كثيرًا من الناس إذا سمعوا ترجيح رأي من الآراء يأخذون بذلك الرأي ويضيقون على غيرهم من الناس فيشددون عليهم، فهذا مما لا ينبغي، لا بد من أن نفرق بين المسائل القطعية وبين المسائل الظنية. نعم نرشد الناس إلى الأخذ بما دل عليه الدليل ولكن من غير تنطع أو تشدد، كما أن كثيرًا من الناس أخذوا يرجحون الأقوال ويصححون الأحاديث ويضعفونها وهم لم يصلوا إلى تلك الدرجة ولم يقاربوا ذلك، فيجب عليهم أن ينتبهوا لذلك، وأن يقف كل واحد مع نفسه ويسأل نفسه أولًا: هل هو قادر على ذلك أو لا؟ فإن لم يجد جوابًا عند نفسه لا بد من أن يسأل العلماء: هل هو قد وصل إلى هذه المرتبة التي تؤهله للتصحيح والتضعيف واختيار الآراء وما شابه ذلك؟ أما أن يحكم بنفسه من غير معرفة بمجرد الظن والوهم وما شابه ذلك فهذا لا يجوز. فكم من شخص قد صحح وضعف بعض الأحاديث، رأيت بعض الناس ضعفوا بعض الأحاديث بدعوى أن بعض رجال أسانيدها لم يوثقه أحد أو أنه ضعيف وما شابه ذلك، مع أن ذلك الحديث قد جاء من طرق كثيرة جدًّا، ولكنه هذا الشخص بسبب عدم اطلاعه وقصر باعه في هذا الفن لم يرَ تلك الروايات فظن أن هذا الحديث لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا –والعياذ بالله– لا يجوز. فليقف كل أحد عند حده، ولا يتجاوز الدرجة التي بلغ إليها، والله تبارك وتعالى ولي التوفيق.
👤سعيد بن مبروك القنوبي
📅 ٩‏/٨‏/٢٠١١👁 1 مشاهدة
🎬

« سؤال أهل الذكر » فتاوى متنوّعة للشيخ / سعيد القنوبي

أصول الفقه

✦ فتاوى مشابهة

اختيار قول من أقوال العلماء

4 👁

نرى اختلاف أهل العلم كثيراً، فهل يجوز لشخص أن يختار لنفسه رأياً من الآراء المختلفة أم أن لذلك ضوابط؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١٥‏/٧‏/٢٠٢٣

الأخذ من أقوال المذاهب

3 👁

هل يأثم من يأخذ بأقوال مختلف العلماء المجتهدين من مجموع المذاهب الإسلامية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٣‏/١‏/٢٠١٩

اختيار قول فقهي

2 👁

في المسائل الفقهية الخلافية، هل للمسلم أن يأخذ بأي قول فيها شاء؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٧‏/١١‏/٢٠٢٢

اختيار قول من الخلاف

2 👁

هل يجوز للشخص أن يختار أي رأي من آراء أهل العلم عند الاختلاف، أم هناك ضوابط؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١٥‏/٧‏/٢٠٢٣

اختلاف العلماء في مسألة

3 👁

إن اختلف العلماء في مسألة فقهية، فرأى بعضهم حرمة الشيء ورأى آخرون إباحته، فهل يسع المكلَّف الأخذ بأي قول من أقوال العلماء؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٨‏/٩‏/٢٠٢٤

اختيار العامي بين الأقوال

2 👁

لماذا لا يُسمح لغير المجتهد أن يختار من أقوال العلماء ما يشاء ما داموا كلهم أهل علم، وما ضابط اختياره؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠