⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
على أي حال مما ينبغي للإنسان دائما أن لا يتكلم في شيء لا يعرفه، وأن لا يدخل نفسه في علم لا يتيقنه، فإن الكلام في غير الاختصاص أمر ممقوت من كل الناس، أيا كان ذلك الكلام، وفي أي تخصص من التخصصات، على أن الكلام في الأمور الشرعية من غير علم أعظم جرما وأعمق إثما، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]، ويقول سبحانه وتعالى مشددا الأمر بمسألة الإفتاء بغير علم والتقول على الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116]، فافتراء الكذب على الله سبحانه وتعالى أمر من الجرم بمكان، بل إن الله سبحانه وتعالى يقرنه في أحوال كثيرة بالشرك بالله سبحانه وتعالى الذي هو مخرج من الدين ومبعد عن الشريعة.
وهذه المسألة التي يقولها السائل هنا، وهو أنه لا فرق بين القروض الربوية والقروض الإسلامية، هي مسألة عظيمة جدا؛ إذ إن القرض في الشريعة الإسلامية عقد رفق وقربة كما يسميه الفقهاء، وهو جائز بالاتفاق، إلا أنه مع هذا الاتفاق على جوازه لا يجوز للإنسان أن يأخذ في عقد القرض ولا مائة بيسة واحدة، بل لا يجوز له أن يأخذ ولا منفعة معنوية إن أقرض آخر قرضا، بل الفقهاء يقولون: إنه إن لم تكن هنالك زيارات قبل ذلك بين المتقاربين، فلا يجوز أن يزور من أقرض صاحبه لمجرد أنه أقرضه، ويأخذ من بيته ويأكل منه لمجرد أنه أقرضه، وعدوا ذلك من أبواب الربا؛ لأنه لا يجوز في حال القرض أن يأخذ الإنسان ولا مائة بيسة من عند غيره.
والناس الآن يسمون التمويلات التي تطبق الشروط الفقهية لجوازها يسمونها قروضا شرعية، والواقع أن هذه التمويلات التي هي في الساحة موجودة الآن ليست من باب القروض الشرعية، بل هي في غالبها بيوع، والبيوع كما تعلمون لا يرجع فيها إلى تحديد في مقدار الربح، بل العقد –كما يقول أهل القانون– شريعة المتعاقدين، بمعنى أنهما يتفقان عليه ما دام البائع والمشتري قائمين بكتاب الله تعالى، بمعنى أن تعاقدهما لم يكن على محرم.
ومن هنا يتبين لكم الفرق بين ما يسميه الناس الآن القروض الإسلامية وبين القروض الربوية؛ لا توجد قروض إسلامية فيها منفعة، وما طرحته بعض المصارف الآن من منتجات تطابق الشروط الفقهية هذه المنتجات ليست من باب القروض على الإطلاق، ليست هي قروضا وإنما هي بيوع، وأنتم تعلمون أنه في حال البيع لا يمكنني أن أحدد سعرا معينا للمتبايعين دائما، إنما يلجأ إلى التجارة وإلى البيع ليستجلب الربح، وهم يشترون البضائع بثمن أقل حتى يبيعوها للناس بسعر التجزئة الذي هو أعلى بكثير من سعر الشراء، وذلك هو ربحهم، والخلائق كلهم من مسلمين وغيرهم على هذا الأمر.
لذلك فما تجريه المصارف الآن ليس هو من باب القروض على الإطلاق، وما تجريه مما يتفق والشروط الفقهية، أما القروض الربوية فهذه هي المحرمة، هذه هي المتوَعَّد عليها.
على أن عدم التفريق بين القروض الربوية وبين البيوع الشرعية هو شبهة ألقاها الذين يأكلون الربا منذ زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ورد الله تعالى عليهم في كتابه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، فهم جعل الله تعالى عقوبتهم تلك لأنهم قالوا: إن البيع مثل الربا، وصاحبنا الذي يسأل هنا هو ممن يقول هذا القول، ويقول: إنه لا فرق بين القروض الربوية وبين البيع المباح بالشرع: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. فهذا هو الرد الإلهي؛ إن الله تعالى هو الذي أحل البيع وهو الذي حرم الربا، فما على المؤمن إلا أن يلتزم ما أمره الله سبحانه وتعالى به إن كان هذا المؤمن مقيما حقا على شرع الله سبحانه وتعالى، ومتخذ تعاليم الكتاب العزيز منهجا يسير عليه في حياته.
وإلا فإن التفريق بين هذين الأمرين في بعض أحواله قد يكون دقيقا جدا يخفى على كثير من الناس، إلا أن هنالك فروقا كبيرة جدا بين الربا وبين البيوع، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]؛ فالله تعالى قد عد هذا قرضا ربويا، معناه أنه يجب عليك أيها المؤمن ألا تقربه، وأباح هذا الأمر ولو كانت فيه زيادات، معناه أيها المؤمن: يجوز لك أن تقرب هذا الأمر.
على أنه ليس من سلطة الفقيه في كل أحواله أن يحدد الأسعار بين الناس، فالناس إن تراضوا على أمر فتراضيهم محمول عليهم ما دامت السلع جائزة وطريقة العقد جائزة، أما تحديد الأسعار فذلك أمر راجع كما قلت إلى غير الفقهاء، إنما هو أمر راجع إلى أولي الأمر من أهل الخبرة الذين يستطيعون تقدير مصالح الأسواق، تقدير مصالح البائعين والمشترين، فأولئك هم الذين يحددون الأسعار، والفقراء –الفقهاء– يجيزون التسعير في حال الضرر، وإن لم يكن هنالك ضرر فلا يجوز أن يدخل على المتبايعين بتحديد سعر؛ إن رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما البيع عن تراض»، فما دام التراضي متحققا إذا البيع جائز.
على أن المنتج الذي طرحته بعض المصارف معنا هنا في عمان –كما قلت لكم– هذا المنتج متوافق مع الأحكام الفقهية، ولم يصدر إلا بعد أن أعطي فتوى تجيز مثل ذلك المنتج من الجهة الرسمية المسؤولة عن إصدار الفتاوى، فذلك بعيد عن الربا كل البعد؛ لأنه عقد بيع وليس عقد قرض كما قلت، وهذا هو الفرق بين البيع والقرض.
هذا المنتج قائم على المشاركة المنتهية بالتمليك؛ فالمصرف مثلا يمتلك من هذا البيت أو من هذا العقار نسبة 90%، ويمتلك الشخص الآخر نسبة 10%، ما الذي يحدث نتيجة هذا العقد؟ يسعى الشخص الآخر المستفيد إلى أن يشتري نسبة المصرف شيئا فشيئا، ويدفع أقساطا معدودة من أجل شراء هذه النسبة، كما أنه يدفع أقساطا أخرى نظير سكناه واستغلاله للقسم الذي يملكه المصرف من العقار، ومن هنا يدفع نوعين من الأقساط: أولهما لعقد الإيجار للنسبة التي يسكنها من المصرف من العقار، كما أنه يدفع قسطا آخر لأجل أن يشتري النسبة التي يمتلكها المصرف؛ فإن كان المصرف في هذا العام يمتلك 90% من العقار، والشخص المستفيد يمتلك 10%، ففي العام المقبل سيمتلك المصرف 80% ويمتلك الشخص المستفيد 20%، وهكذا إلى أن تخلص النسبة كلها في حق الشخص المستفيد، ويكون هو المالك 100%.
وتحديد نسبة البيع: بكم سيكون هذا البيع؟ هذه كلها كما قلت لكم راجعة إلى اتفاق المتعاقدين، وليست راجعة إلى تحديد الفقيه، إذن ومن هنا كان هنالك فرق بين التمويل الربوي المباشر وبين مثل هذا العقد الذي هو عقد بيع؛ في حال التمويل الربوي المباشر المصرف لا يسأل إلا أن يدفع المبلغ، بعد ذلك سقط ذلك البيت أو فسد ذلك العقار هو لا يسأل عن ذلك كله، فبمجرد تسليمه المبلغ تكون يده قد ارتفعت عن ذلك العقار، أما في حال البيع فإن الأمر يختلف؛ لأن المصرف سيظل مسؤولا عن ذلك العقار، وأي خلل في ذلك العقار، وأي عيب فيه، فإن المصرف يسأل عن نسبته التي دخل بها في ذلك العقار، وهذا هو الفرق بين التمويل الربوي وبين التمويل الشرعي؛ التمويل الشرعي هو عقد بيع، والبيع جائز دون تحديد سعر، أما التمويل الربوي فهو إعطاء مبلغ دون سؤال عن آثار ذلك المبلغ بعد ذلك.
ومن هنا كان لزاما على كل واحد منا أن يتفهم الأمور قبل أن يصدر مثل هذا الكلام؛ لأن هنالك فرقا عظيما بين الربا وبين البيع، وكون الأمرين يتشابهان في بعض الصور العامة لا يستلزم أن يكون لهما نفس الحكم؛ فبمجرد أن يقول الله تعالى لنا إن هذه المعاملة هي المعاملة المباحة نعدها مباحة لأمر الله تعالى، وبمجرد أن يحرمها علينا فإننا نعدها محرمة.
انظروا مثالا وقارنوا بين حالتين: بين حالة من يزني –أجلكم الله وكرمكم– وبين من يتزوج زواجا صحيحا شرعيا، ما هو الفرق بين هاتين الحالتين؟ الفرق بينهما أنه في حال الزواج ارتبط بهذه المرأة بكلمة من الله سبحانه وتعالى وحده، وفي حال الزنا لم تكن بينهما هذه الكلمة، مع أنه قد يتحقق التراضي في حال الزنا، بل قد يتحقق رضا وليها في حال الزنا، إلا أننا مع ذلك نعده زنا محرما يستحق صاحباه الحد الشرعي المؤدب لهما، أما في الحالة الأولى فالفرق بينهما أن العقد كان حينها بكلمة من الله سبحانه وتعالى، وانظروا إلى الفرق بين الحكمين: بين حكم الزنا وبين حكم النكاح الذي أحله الله سبحانه وتعالى وأباحه.
ثم أنبه على أمر: الكلام في القضايا الشرعية لا بد من أن يرجع فيه إلى أهل الاختصاص؛ أنت حينما تريد أن تعالج نفسك أسألك: هل ستذهب وتقصد رجلا من الشارع هكذا ليجري لك عملية أو ليعطيك دواء معينا دون أن تعتمد أن يكون هذا متخصصا في الطب؟ وهل يتاح الترخيص لفتح العيادات ونحوها إلا لمن كان ذا شهادة تثبت أنه فعلا دارس لعلم الطب؟ كما أنك أنت قد تجد شخصا قد درس علم الطب وعنده الشهادة في علم الطب، إلا أنك لا تذهب إليه لمجرد أنك تعلم أن هذا الإنسان غير متقن للجراحة وغير متقن للتطبيب.
إذا ما دام هذا الحال في أمور دنيانا، في الهندسة، في بناء البيوت ونحوها، كلنا نقصد أهل الاختصاص، فما بالنا لا نقصد أهل الاختصاص في الأمور الشرعية التي هي أعظم من الأمور الدنيوية؟ لا بد من أن نتبين لهم الأمر وأن نعلمه، وأن لا نأخذ الأحكام الشرعية إلا من عند أهلها، أما أن تترك كلاّ مباحا لكل أحد يتكلم فيها فذلك مما لا يقره شرع ولا يقره عرف عند الناس.
والله تعالى أعلم.