⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هو يعني اجتهاد من صاحبه، وصاحب هذا الرأي بعث إليَّ كتابه، واطلعت عليه، وفاتته أشياء كثيرة من الأدلة؛ ولذلك فإن النتيجة التي وصل إليها لا أتفق معه عليها، كما لا يتفق معه كثيرون من أهل العلم ومن المفسرين ومن المشتغلين بكتاب الله عز وجل.
فأول ما يُلحظ هو معنى الزيتون في كتب اللغة، في معاجم اللغة؛ فنحن إذا رجعنا إلى معاجم اللغة سنجد أن وصفهم للزيتون وتعريفهم لهذه الشجرة إنما هو لما يُعرف بالزيتون الشامي، وليس لما نعرفه نحن في بلداننا بالجوافة، وإن كانت تسميتها الشائعة عند عموم الناس في هذا الإقليم أنها زيتون، لكنها هي ثمار الجوافة.
إذا عدنا إلى كتب معاجم اللغة –كما قلت– سنجد أن تعريفهم للزيتون هو تعريف شجرة الزيتون الشامي، وينصّون على أنه الزيتون الشامي، بدءًا من الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي ينتسب إلى هذا الإقليم؛ لم يذكر الزيتون إلا بالزيتون الذي يُستخرج منه الزيت ويُدهَن به ويُستعمل صِبغًا للآكلين.
فحينما ذكر شجرة العتم –وهي توجد في الجبل الأخضر وفي كثير من الجبال الشاهقة عندنا– قال: هو الزيتون البري، لا ثمر له. وحينما تعرّض للزيتون قال: هو الذي يُتَّخَذ منه الزيت للدُّهان وللأكل، وهو الزيتون الشامي المعروف أيضًا في بلاد الشام. هذا كلام الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجم «العين»، والخليل ينتسب إلى هذا الإقليم الذي ذكر الباحث أن أهل هذا الإقليم وما جاوره من أقاليم يسمون الجوافة زيتونًا، هذه التسمية لم تكن معروفة، هذه الشجرة لم تكن معروفة.
إذًا الدليل الأول: معاجم اللغة بدءًا من الخليل بن أحمد الفراهيدي وسَلَف علماء العربية من بعده.
الدليل الثاني –الأمر العلمي– وهو أن الباحث رجع إلى كثير من الأبحاث العلمية لكن فاته تاريخ ورود شجرة الجوافة إلى البلاد العربية؛ فشجرة الجوافة لم تكن معروفة إلى ما قبل القرن السادس عشر الميلادي، بدأوا يتعرّفون عليها من بعد القرن السادس عشر الميلادي، لم تكن مزروعة، لم تكن معروفة، هي جُلِبت من أمريكا اللاتينية عن طريق البحارة والتجار والرحلات، فجلِبت وبدأت زراعتها، أما قبل ذلك فلم تكن معروفة، ولذلك لا ذكر لها، لا ذكر لهذه الشجرة لا بوصف ولا بشيء يتعلق بها ولا بتسميتها في الكتب القديمة؛ فكيف يتحدث القرآن الكريم عن شجرة لا يعرفها العرب؟
أيضًا في قول الله تبارك وتعالى في سورة المؤمنون –وقد رجع هو إليها ولكن لم يأتِ بما يمكن أن تقوم به حُجّة–: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: 20]؛ إذًا منافع الشجرة: الدُّهْن؛ أي ما يُدهَن به، ما يُستعمل دُهْنًا، و«صبغٍ للآكلين»؛ الصِّبغ أي الإدام الذي يُغمَس فيه الخبز أو ما سوى ذلك، أمّا أن يغيِّر لونه أو بدون تغيير لون، ولذلك نحن في لهجتنا نقول: «يِصْبَغ»، لأنه يغمس الخبزة في إدام ماء من زيت أو حليب أو غير ذلك؛ هذا استعمال فصيح، استعمال صحيح لغة، وهو المقصود في هذه الآية الكريمة.
هل هناك من يصبغ بزيت الجوافة؟ لا، في هذه الأقاليم، نعم له زيت وله بعض الفوائد الطبية، لكن لا أحد، لم يتحدث أحد، ثم خرج –يعني هو– قال في «طور سيناء» أو «طور سينين» بأنه في إفريقيا الشرقية وغير ذلك، يعني أبعد النَّجْعَة في هذه القضية.
إذًا الآن: اللغة ومعاجمها، تاريخ جلب شجرة الجوافة إلى البلاد العربية، الأمر الثالث: السياقات القرآنية في سورة المؤمنون –كالآية التي ذكرتها من قبل– وسورة النور لما شبّه الله تبارك وتعالى النور قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: 35]، هذه الأوصاف لهذا الزيت الذي استُخْرِج من هذه الشجرة لا تصح إلا لزيت الزيتون.
هذا أيضًا دليل، والسياقات القرآنية لا تحتمل هذه التأويلات المتعلقة بمكان طور سيناء؛ صحيح هناك خلاف في مكانه، لكن لم يأتِ أحد ويقول بأنه في شرق إفريقيا من المفسرين. المفسرون اختلفوا في مكانه في بلاد الشام، حول الأرض المباركة: أهي فلسطين وما حولها، أو هو هذا المكان المسمى الآن بسيناء أو بجزيرة سيناء؟ هذا موجود عند المفسرين.
ثم فيما يتعلق أيضًا بتأويل ما كنا نتحدث عنه في السؤال الماضي، هو يظهر من كتابه ومن بحثه بأنه حمل معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ و﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الموضعين، على أن الزيتون والرمان متشابهان؛ ولذلك أجرى الكثير من المقارنات بين الزيتون والرمان، والآية لا تتحدث عن هذا؛ السياقات القرآنية في سورة الأنعام وفي غيرها إنما تتحدث عن كل نوع؛ فالرمان فيه المتشابه وغير المتشابه، والزيتون فيه المتشابه وغير المتشابه، والزرع كذلك، والنخيل كذلك، والأعناب كذلك، هذا مما ورد في كتاب الله عز وجل؛ فلا يقصد من ذلك التشابه بين الزيتون والرمان، لا؛ في كل صنف من هذه الأصناف المذكورة مما أظهر الله تبارك وتعالى به عظيم قدرته في خلقه، أو مما امتنّ به على عباده، فإن كل نوع منها فيه المتشابه وفيه غير المتشابه.
هذا باختصار شديد ما يُردّ به على ما توصّل إليه الباحث، والصواب هو ما عليه –كما قلت– يكاد تكون كلمة المفسرين متفقة، وكلمة أهل العلم متفقة، على أن الزيتون المقصود إنما هو الزيتون الشامي المعروف.
والله تعالى أعلم.