⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا ثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهِّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد:
فالجواب هو أن نتعرّف أولًا على معنى الاشتباه والتشابه؛ لأنها من نفس الجذر، هذا الجذر –جذر الشَّبَه، الشين والباء والهاء– يدل على التقارب والتماثل، فكلا المفردتين يدلان على شدة التقارب والتماثل في الأوصاف.
فإن ثبت هذا، فلِمَ جاءت في سورة واحدة، في الموضع الأول ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: 141]، ثم قال بعد ذلك: ﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: 99]؟
الاشتباه هو الالتباس لشدة التماثل وشدة التقارب في الأوصاف، فهو التباس يحصل عند الناظر من شدة تماثل ما يراه، فيلتبس عليه ما يراه، فيظن أن الشيئين شيء واحد من شدة التشابه بينهما، هذا اشتباه.
ولذلك قال في الموضع الأول: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، هذا اشتباه يحصل للناظر من شدة التماثل فيما يرى، فيظن أن هذه الأشجار بأنواعها أنها متماثلة.
فلما استعمل في الموضع الأول: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، ثم قال: ﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، هنا سببان:
السبب الأول: هو ما ذكره بعض المفسرين من أنَّ –في العموم الأغلب، وهو غير مضطرد تمامًا في القرآن الكريم– أنه في العام الأغلب إذا وردت كلمتان من نفس الجذر، أي مشتقان من نفس الجذر اللغوي، فإن القرآن الكريم يبدأ بالأخف منهما بقطع النظر عن الدلالة، وإنما من حيث اللفظ، فلفظ صيغة الافتعال (الاشتباه) أيسر من (التشابه) –صيغة التفاعل–. هذا له نظائر في القرآن الكريم؛ بدأ أولًا فقال: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ [البقرة: 38]، ثم قال في طه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ [طه: 123]، فله نظائر. قلت في العام الأغلب ما لم يحتِّم السياق غير هذه القاعدة، وإلا فالأصل أنه يبدأ بالأخف وزنًا وسماعًا ثم ينتقل بعد ذلك إلى الأشد، وهذا صحيح في هاتين الآيتين من سورة الأنعام.
هذا هو السبب الأول.
السبب الثاني: هو السياق القرآني؛ فإن السياق في الموضع الأول هو سياق بيان قدرة الله تبارك وتعالى، والذي يناسب بيان عظيم قدرته جل وعلا هو أن تكون شدة التماثل والتشابه مما يورث الناظر الرائي توهُّم التطابق والتساوي؛ فوجوه التشابه كثيرة.
ففي كل نوع من هذه الأنواع المذكورة من الزيتون ومن الرمان، في كل نوع منها، تجد أن الشجرة هي ذات الشجرة، أي ذات الصنف من الأشجار، لكن فيها ما يتشابه في الورق والجذوع والسيقان والشكل والثمار، ثم في الطعم وغير ذلك من الصفات والخصائص، وفيها ما لا يتشابه، وهي تنتسب إلى نفس النوع من الأشجار.
إذًا فالأدلّ على عظيم قدرة الله تبارك وتعالى أن يكون هذا التشابه شديدًا يورث الناظر مزيد التباس وتوهُّم التطابق، ولذلك قال: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾.
أما السياق الثاني –الآية الثانية من الأنعام– فهو في سياق تعداد ما يمتنّ الله عز وجل به على عباده من المطعوم والمأكول، فهنا لا حاجة إلى الحديث عن القدرة، الحديث عما يدل على عظيم القدرة، وإنما هو لبيان ما يلفت أنظارهم إلى هذه الحقيقة: أن هذه الأصناف التي تتناولونها انظروا إلى ما أنعم الله عز وجل به عليكم؛ فهي ذات الثمار، ولكن منها ما هو حلو، ومنها ما هو حامض، ومنها ما هو بين ذلك درجات متفاوتة، فهناك تشابه وهناك غير تشابه؛ هذا هو المقصود.
والله تعالى أعلم.