⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بالعودة بالرجوع إلى بعض المصادر المتخصصة، يظهر أن الفرق بين الإتيان والمجيء: بعض الفقهاء، بعض المفسرين يرون أن هذا من المترادفات، نعم، وأن هذا على سبيل التفنن في اللغة والخطاب، لكن الترادف -في ظني- الترادف بمعنى التطابق في المعنى غير موجود في كتاب الله عز وجل، كل لفظة لها دلالتها ومعناها، نعم، الذي قد يختلف ولو في جزء يسير، كما هو الحال في موضوع الإتيان والمجيء.
فعند أهل اللغة، وصرَّح بهذا أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري في كتابه «الفروق اللغوية» وقد توفي تقريبا في عام 400 هجرية، وصرَّح بأكثر منه أيضا صاحب «عمدة الحفاظ» السمين الحلبي، وتوفي في عام 756 هجرية، وكتابه كتابٌ قيِّم «عمدة الحفاظ»، صرَّحا بجملة فروق:
فالإتيان: مجيء سهل، أي مجيء بسهوله، هذا فارق أول؛ مع أنهما حكيا القول بالترادف، أو بأنهما يُستعمَلان محل بعضهما البعض، نعم، لكنهما ذكرا بعض الفروق؛ فمن هذه الفروق أن الإتيان مجيء سهل؛ فلما كان موسى لم يَأْتِهم لم يكن هناك إتيان، فكان النفي بحاجة إلى أدنى درجات المجيء أو الحضور، نعم، أما لما جاءهم موسى عليه السلام فهذا لا يلزم منه السهولة؛ بمعنى أن المجيء لما قلنا بأن الإتيان مجيء سهل فهذا لا يعني أن المجيء مجيء صعب، لا، وإنما قد يكون سهلا وقد يكون غير ذلك؛ هذا هو الفارق الأول.
الفارق الثاني: ملاحظة اعتبار القصد في الإتيان والمجيء؛ فاعتبار القصد ملحوظ، لكن حصوله غير لازم في الإتيان؛ في الإتيان اعتبار القصد ملحوظ، إلا أن حصول القصد ليس شرطا، على خلاف المجيء؛ فإن في المجيء اعتبارَ القصد وحصولَ القصد معتبران جميعا؛ هذا هو الفارق الآخر.
ولذلك فلو أردنا أن نأخذ هذا الفارق في هذه الآية الكريمة، فإن الإتيان -إتيان نبي- إنما يُقصَد منه الرسالة، لكن حصول هذا المقصود ليس شرطا في هذا السياق؛ لأنه لم يأتِ بعد، لكن مجيئه إليهم -وهم الذين يتحدثون- وقد تحقق القصد من مجيئه فآمنوا به، وهذا سبب عتبهم: أنهم لم يجدوا فرقا، لم يفهموا، لم يستبطنوا معنى الابتلاء الذي رُزِقوا به بعد استجابتهم لدعوة موسى عليه السلام؛ فالقصد من مجيئه قد تحقق، هذا هو الفارق الآخر.
هناك فارق صرفي: أن «جاء» في القرآن الكريم جاءت بصيغة الماضي، ولم تتصرَّف إلى الصيغ الأخرى، وهذا هو الأكثر فيها؛ هذا فارق صرفي، أما ما يتعلق بالفروق المعنوية بين المفردتين فهو ما تقدم.
يُضاف معنى آخر لطيف أشار إليه العسكري: أن المجيء إذا عُدِّي إلى المفعول به مباشرة فذلك دليل القصد، على خلاف أن يأتي بلا تعدية؛ وهنا جاء مُعَدًّى إلى المفعول به: ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، نعم، فهذا دليل على أنه مقصود أن يُبعَث فيهم، وهم يدركون هذا المقصد، وأن هذا المقصد معتبر؛ فليس مجرد المجيء؛ لما تقدم القول فيما مضى بأن الاعتبار للقصد ولحصول القصد في المجيء؛ فإن هذا القصد للمفعول به، للمعمول الذي عُدِّي إليه الفعل نفسه.
والله تعالى أعلم.