⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
في قول الله تبارك وتعالى في مطلع سورة النحل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ سبحانه وتعالى عما يشركون، أُنْزِلَ المتوقعُ حصولُه منزلةَ الواقع الحاصل يقينا، وهذا يصلح له الفعل الماضي، وهذا أسلوب في العربية معروف، وهو إنزال ما يُتَوقَّع حصوله مستقبلا منزلةَ الواقع فعلا؛ للدلالة على أن المتوقع حصوله واقعٌ قطعا، لا مَحالة، ولا ريب، ولا شك في وقوعه وحصوله، وكأنه قد حَصَل؛ فهذا من بلاغة كلام الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وهو استعمال الفعل الماضي للدلالة على الوقوع والحصول لأمرٍ مستقبلي.
بدليل أن الآية نفسها قالت: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وهذا التركيب، وهو النهي عن الاستعجال، دليل على أن أمر الله تبارك وتعالى لم يقع بعد، ولكن استعمال صيغة الماضي لتأكيد أنه حاصل لا مَحالة، واقع، وإن كان سيقع ذلك في المستقبل، لكن لا ريب في حصوله ولا شك في أنه واقع.
والآية الكريمة فيها جملة من الصور البلاغية التي قد لا ينتبه لها الناس؛ منها: إسناد الأمر إلى الله تبارك وتعالى، ففي ذلك تعظيم وتخويف للمخاطبين، وفي صدارة أغراض سورة النحل الوعيد للمشركين وبيان عاقبة أمرهم إن استمروا على الشرك والطغيان؛ ولذلك ناسبت هذه المقدمة؛ لأنه في سياق الوعيد لا بد أن يكون ما يُتَوَعَّدون به مقطوعا بحصوله، وأن الأمر كله بيد الله تبارك وتعالى، الذي لا ريب في حصول ما يُتَوَعَّدُ به عباده، كما لا شك فيما يَعِد به عباده الصالحين؛ ولذلك قال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، ثم نهى عن الاستعجال: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.
وهذا مَلْحَظٌ لطيف ذكره بعض المفسرين: أن هذا النهي يمكن أن يُقصَدَ به التسوية؛ أي: إن استعجالهم لا يغيِّر في هذه الحقيقة شيئا؛ لأن السياق سياق وعيد، فإن استعجالَهم أو عدمَ استعجالِهم سواءٌ، لا يغيِّران من هذه الحقيقة اليقينية الثابتة، من وقوع أمر الله تبارك وتعالى وإتيان أمره جل وعلا.
وهناك من المفسرين من يقول بأن إتيان أمر الله عز وجل بإتيان مبادئه، أي: بمجيء مقدماته، فعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: هذه العلامات، المقدمات التي حصلت فعلا؛ فهؤلاء ليس في حاجة إلى أن يقولوا بأن هذا الأمرَ أمرٌ مستقبل، أي: أُنْزِل ما سيقع منزلةَ الواقع باعتبار حصول مبادئه ومقدماته. ومنهم من يقول: إن معنى الإتيان هنا باعتبار الأسباب، أن أسبابه قد قامت: بإنزال الكتاب، وبإرسال نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبما جاءكم به من النُّذُر، وبإرساله نذيرا وبشيرا؛ فإن هذه الأسباب كلها قد قامت، فإذا قامت الأسباب قامت المسببات.
كلها حَسَنة، لكن الذي يُرجِّح القول الأول هو أن التفريع: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فهذا نهي دخل على الفعل المضارع، بحرف الفاء، فهذا يدل على أن أمر الله تبارك وتعالى لم يقع بعد.
والله تعالى أعلم.