⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهِّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد، فالجواب هو أن أهل العلم اختلفوا في «هدى» المذكورة في هذه الآية الكريمة، في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]؛ هل هناك تكرار في لفظة «هدى»، أو أن «هدى» الثانية هي غير «هدى» الأولى؟
الحاصل أنهم أتوا بتوجيهات لما تدل عليه مفردة «هدى» في الموضعين.
فمنهم من قال بأن «هدى» الأولى تدل على كل الأمور الظاهرة والباطنة، الهداية الظاهرة والهداية الخفية، وأما «هدى» الثانية فإنها تتناول ما يخفى على كثير من الناس، ولذلك وُصِفَت في الأولى بأنها ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، وفي الثانية ﴿بَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، ودارت التوجيهات الأخرى حول مثل هذا المعنى.
ولكن مدلول «الهدى» لغة هو الإرشاد والدلالة؛ نعم، هداه أي دلَّه وأرْشَدَه، دلَّه وأرْشَدَه إلى غايته، واختلفوا: هل يُشترط في الهدى في هذه الدلالة الإيصال، يعني التوصيل إلى الغاية، أو الإرشاد والدلالة إلى ما يُوصِل إلى الغاية؟ ولكن لا ثمرة لهذا الخلاف في هذا الموضع الآن.
ومن أجل ذلك فنحن لسنا بحاجة إلى البحث عن اتفاق أو اختلاف استعمال «الهدى» في الموضعين؛ فـ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي أن هذا القرآن هو هداية للناس جميعًا، فبه بيَّن الله عز وجل سُبل الهداية للخلق أجمعين، هذه هي هداية البيان التي قامت على الناس جميعًا، بما نصبه الله تبارك وتعالى في هذا الكتاب العزيز من كونه دلالة وإرشادًا.
و﴿بَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ لا يمكن أن يُستغنَى عن وصف هذه البينات بأنها من الهدى؛ نعم، لا يمكن الاستغناء بذكر «الهدى» الأول، لأن هذه البينات، أي البراهين والآيات التي نصَبها الله تبارك وتعالى، لا بد أن تكون موصوفة مقيَّدة بكونها هداية وإرشادًا للناس أجمعين، فدلَّ على أنه لا يمكن الاستغناء عن تقييد وصف هذه البينات بكونها من الهدى.
فالحجج والبراهين التي نصَبها الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز هي حجج وبراهين ناطقة بسبل الهداية والإرشاد، وناصِبَةُ الحجج على دَحْض الباطل ونُصْرَةِ الحق، وعلى بيان طاعة الله عز وجل وتوحيده وألوهيته وسُبل عبادته، ومحاجة أهل الكفر والشرك والأوثان والضلالات والغوايات، بما تُقيمه عليهم من حجج هادية إلى الحق؛ نعم.
ولذلك اتصلت، أو عُطِف عليها «الفرقان»: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، والفرقان هو ما يُفرِّق، ما يفصل بين الحق والباطل؛ نعم، فاستقام فهم السياق الآن؛ فهي بينات، حجج وبراهين، كلها براهين حق وصدق، «من الهدى»، من الهدايات، ويتوصل بها – هي هذه الحجج والبراهين – مع كونها من الهدايات، فهي كذلك فارقة بين الحق والباطل؛ نعم.
إذًا المعنى بهذا يستقيم، وتبيَّن أنه لا تكرار، وأنه لا يمكن الاستغناء عن وصف هذه البينات بأنها من الهدى.
وخلاصة هذا أن القرآن الكريم في ذاته هداية، وهذه الهداية تشمل كل ما يحتاج إليه هذا الإنسان فيما يتعلق بالإيمان، وما يتعلق بالأحكام التشريعية العملية، وما يتعلق ببيان الأخلاق والقيم والآداب، وما يتعلق بالمعاد الذي ينتقل إليه هذا الإنسان، وبقصص الأنبياء والمرسلين، وإثبات النبوة والرسالة، وسِيَر الأمم وأخبارهم، ممن اتبعوا الأنبياء والرسل وصدَّقوا الرسالة، أو ممن تنكَّبوا الطريق وخالفوا الأنبياء والرسل وكذَّبوا ما جاءوا به من رسالة الحق من ربهم تبارك وتعالى.
هذه الهداية، هذا الكتاب يشتمل على هدايات المواعظ من ترغيب وترهيب، وعلى المراشد التي يحتاج إليها الناس كلهم، هذا في ذاته، في مجموعه؛ نعم.
ثم هو مشتمل على نَصْب أدلة وبراهين وحجج، إن كانت عقلية أو كانت علمية أو كانت فطرية أو كانت جدلية أو كانت من أي نوع من أنواع البينات والحجج والبراهين، فهي كلها مشتمل عليها أيضًا في هذا الكتاب، وهي كلها من الهداية التي يُفْرَق فيها بين الحق والباطل.
هذا والله تعالى أعلم.