⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، هو أولًا فيما يتعلق بمنهج أهل الحديث: هو لا يُراد منه اليقين، اللهم إلا أن يُقصد باليقين هنا غلبة الظن، لكن في الروايات المتواترة يقصدون من ذلك: هل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك أو لم يقل؟ فهذا النقل، هم يبحثون في الأسانيد وفي المتون.
أما الأسانيد فإنهم يبحثون عن نقل العدل الضابط عن مثله من مبتدأ السند إلى منتهاه. وأما المتون فإنهم يبحثون –فيما يتعلق بشرط الحديث الصحيح، الرواية الصحيحة عندهم–: من غير شذوذ ولا علة قادحة، ثم اختلفوا في أنواع الشذوذ والعلة القادحة التي يمكن أن تطعن في متون هذه الروايات.
إذًا هم يعملون قواعد منضبطة يفحصون بها الرجال أولًا في الأسانيد، هنا يحصل تفاوت، لا من حيث العدالة، وإنما من حيث الضبط –على سبيل المثال– بين من يكون شديد الضبط وبين من يكون أقل من ذلك، تختلف عباراتهم أيضًا، عبارات المعدِّلين والجارحين، تختلف عباراتهم، هذا يستعمل أوصافًا يتحرَّى فيها كثيرًا من الدقة، وآخر يكون أكثر تساهلًا. هناك أيضًا الرواة أنفسهم يمكن أن يعتريهم في بعض الأحوال شيء من الذهول أو النسيان، هم أكثر دقة وضبطًا حين النقل من راوٍ عنهم، حينما ينقلون من راوٍ آخر، وهكذا، حتى لا ندخل في التفاصيل.
والباعث لهم على ذلك هو ما تقدم بيانه من البحث عن الجواب عن سؤال: هل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك أو لم يقل؟ فإن كان قد قاله وثبت ذلك، فهذا يعني أن هذا الحديث صحيح يؤخذ به، وتترتب عليه الأحكام التي تؤخذ منه.
أما السير فهي أحداث ووقائع، هذه الأحداث قد تكون مجردة مما يُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قول أو فعل. هؤلاء الرواة –يعني ابن إسحاق على سبيل المثال، الذي عليه مدار رواية عداس هنا– ابن إسحاق فيه خلاف، حتى من المحدثين من يقول بأنه لا يُقبل إلا في المغازي والسير. ما الذي يقصدونه بالمغازي والسير؟ يقصدون الأحداث الكبرى على جهة الإجمال لا على جهة التفصيل، فهذه تُقبل منه.
هذا منهج قرره أهل الحديث لصناعة هي أشبه بروايات السنة، لأنها أيضًا نقل رُواة لوقائع وأحداث.
الحقيقة أن الحاجة إلى ضبط المنهج فيما يتعلق بروايات السيرة والروايات التاريخية حاجة مُلحَّة. المسألة –على سبيل المثال– فيما يتعلق بالقراءات أضبط؛ لأن القراءات نُقلت بالتواتر، ثم إن هؤلاء القراء اختصاصهم قراءة كتاب الله عز وجل تحمُّلًا وأداءً، لا يُراد منهم شيء آخر، وإن كانوا في الأخبار والروايات –يعني– ضعفة، لكنهم فيما يتعلق بما تحمَّلوه من سماعهم لقراءات كتاب الله عز وجل، وبما أدَّوه لمن تلقى عنهم هذه القراءات، هم عدول ثقات، هم حُجج تؤخذ عنهم، ولا يُراد منهم أكثر من ذلك. فهذه المسألة حُسمت فيما يتعلق بالقراء.
ولكن فيما يتعلق بروايات السيرة إلى اليوم لم تُحسم؛ هناك من ينتصر لمنهج كُتَّاب السير، ويقبل هذه الروايات، ويقتبس أو يستشهد لمنهجه بجمل وعبارات، كبعض العبارات المنسوبة إلى العلامة الذهبي وإلى ابن حجر في قبول روايات ابن إسحاق فيما يتعلق بالمغازي والسير. وهؤلاء أيضًا –ومن يقول بإعمال منهج المحدثين– فإنهم أيضًا يستندون إلى علماء الجرح والتعديل الذين ذكروا ما يجرح ويطعن في هؤلاء الرواة.
فالمسألة مسألة مناهج ينبغي أن يُتوسَّط فيها ويُعتدل فيما يتعلق بروايات السيرة، وليس ذلك أيضًا بمتعذر، لكن بحاجة إلى استيعاب وتتبع.
أما ما يتعلق بيونس –هذا استطراد– يونس عليه السلام، فالكلام في البحر الذي كان فيه، ولذلك كان هذا خارج الهواء الحديث عنه.
أما عن سؤالكم: هل وضع أهل السيرة منهجًا فعلًا كأهل الحديث؟ فالمتأخرون بدأوا، يذكرون ويحاولون رسم هذا المنهج فيما يتعلق ببعض رواة السير، ومدى القبول، والمقارنة بينها، والبحث أيضًا عن مخطوطات وما يشفع لتلك الروايات، لكن أن نجد اليوم وصفًا دقيقًا لهذا العلم –فحسب علمي القاصر– لا يوجد؛ هناك محاولات –كما قلت لك– إعادة كتابة السيرة، لكن بناء على منهج المحدثين.
هناك من منهج المحدثين –كما قلت– من هو أكثر حزمًا، وهناك من هو أوسع نفسًا، فيقبل بعض الروايات التي قد لا يقبلها غيره، فالمسألة تدور، هذا اجتهاد بشري، لكن لا ينبغي إغفال أن ما يتعلق بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام يمكن أيضًا أن يُدرَس؛ لأننا نتحدث عن أحداث تاريخية، فيُدرَس بنفس المنهج، بنفس القواعد.
يعني لما نتحدث عن نفي الشذوذ والعلل القادحة، أيضًا روايات السيرة بحاجة إلى إعمال هذا المنهج، بحاجة إلى أن يُنظر في ما تكتمل به الصورة، بحاجة إلى أن يُقارن أيضًا بمدوَّنات تاريخية من غير مصادر السيرة، ما تشتمل عليه السنة النبوية من السيرة أمر كثير، ما يشتمل عليه تفسير كتاب الله عز وجل ومناسبات النزول أيضًا مما يتعلق بالسيرة النبوية أيضًا قدر كبير لا ينبغي إغفاله؛ فهذه المصادر كلها تدخل في دراسة السيرة النبوية.
والله تعالى أعلم.