⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل: 88]، هذه الآية الكريمة فيها خلاف كثير عند المفسرين: هل المقصود بذلك ما يحصل من تناثر الأجرام السماوية واختلال نظام الكون عند قيام الساعة؟ وهذا هو قول أكثر المفسرين من المتقدمين، أن هذه الآية الكريمة إنما هي في علامات الساعة، فيما يحصل من خلل في نظام الكون عند قيام الساعة.
وذهب بعض المتقدمين وعدد من المتأخرين إلى أن الآية الكريمة ليست في أحداث قيام الساعة، وإنما هي آية من آيات الله تبارك وتعالى المبثوثة في الكون في هذه الحياة، لِـيَستدل بها المخاطبون ولتكون علامة على أن هذا الكتاب العزيز إنما هو وحي من عند الله تبارك وتعالى. وهذا القول الأخير هو الذي تطمئن إليه النفس.
فنحن إذا نظرنا إلى الآية نفسها سنجد ما لا شفاء له عند المتقدمين من الذين يقولون بأن الآية في أحداث القيامة؛ فالآية الكريمة تقول: ﴿وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾، إذًا الصورة هنا هي صورة الرائي الذي يحسب الجبال جامدة؛ فهو يراها جامدة فيحسَبها جامدة، أما يوم القيامة فإن الله تبارك وتعالى يُسيِّر الجبال، ويدكها دكًّا، وهذه الأوصاف المتعلقة بما يحصل للجبال والأرض عند قيام الساعة مشهودة، هي ليست مجرد تشبيه؛ تختفي معها معالم الجبال: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: 106-107]، هكذا يحصل للجبال.
أما هنا فيقول: إنك تراها فتحسبها جامدة، هذا الأمر الأول في الآية نفسها.
ثم بعد ذلك يشبِّهها بالسحاب، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، إذًا يشبِّه حركتها، يبين أنها تتحرك كما تتحرك السحاب، حركة السحاب ملحوظة منظورة مشاهدة، لكن حركة الجبال لا تُرى، لكن الحقيقة أن وجه الشبه هنا أنها متحركة كتحرك السحاب، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، إذًا لا يستقيم أن يُقال بأن هذا مما يحصل عند قيام الساعة؛ لأن هذا التشبيه يُراد به إظهار وجه الشبه، لتبين هذه الآية أن هذه الجبال تمر، وأنها كما السحاب تجري.
ثم إن الله تبارك وتعالى بيَّن أن ذلك – يعني في الآية نفسها – أنه من آيات إتقان صنعته، قال: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فهذا دليل على أن المطلوب من المخاطب أن يتعرَّف على إبداع هذه الصنعة، وعلى وجوه الإتقان فيها، وأن الصانع المبدع إنما هو الله تبارك وتعالى، هو الذي أبدعها، هو الذي أتقنها، ثم قال: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾، فمعلوم أن هذا التذييل مع ما تقدم من الإرشاد إلى آية في الكون تدل على عظيم صنع الله تبارك وتعالى وإبداعه في خلقه وإتقانه له، أنه يخص منه مخاطبة هذا الإنسان وتذكيره بأن هذا الصانع المبدع الحكيم خبير بما تفعله؛ فليستعد هذا المخاطَب بهذه الآية التي يراها ليستعد لما سينقل إليه.
إذًا الآية نفسها فيها وجوه لا تجد لمن قال بأنها تتحدث عن أحداث القيامة جوابًا عنها؛ فهذه الوجوه كلها لا تجد عند المتقدمين الذين يقولون بأنها تتحدث عن أحداث القيامة تفسيرًا لها.
أما ما يتعلق بالسياق الذي وردت فيه، فصحيح هو كما قال السائل: بأن الآية قبلها في النمل تتحدث عن النفخ في الصور: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ﴾ [النمل: 87]، لكن قبلها بآية ربنا تبارك وتعالى يذكر آية في الكون، يقول: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: 86]، إذًا السياق يسمح بهذا المعنى؛ يسمح لأن هذه الآية الكريمة – التي هي قبل هذه الآية بآية واحدة – تتحدث عن آيات الليل والنهار، وأن الليل للسكن، وأن النهار مبصر؛ فهذه آيات في هذه الحياة الدنيا، آيات يُطلَب من المكلَّف أن ينظر فيها ليعتبر ويتعظ ويصل مرة أخرى إلى توحيد الله عز وجل واستحقاقه للعبادة، كما هو الشأن في هذه الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.
فهذا هو الذي تطمئن إليه النفس ويُزيل أي إشكال؛ بقي أنها هل هي جملة معترضة أو أن ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ هي الجملة المعترضة؟ هذا جانب بياني لا يؤثر، هذا لأجل تقريب المعنى وتسهيله للقارئ المتأمل، لكنه لا يعني أن الجملة التي تأتي معترضة هي أقل منزلة، وإنما هو لضبط السياق فقط.
أما قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: 37]، فإنا لا نحفظ – لم أطلع على أن أحدًا قال – بأن هذا حدث في هذه الحياة الدنيا، وإنما هو السياق؛ الآية تتحدث عما يحصل من اختلال نظام الكون عند قيام الساعة، لا أحفظ أن أحدًا قال إنها تتعلق بآية مشاهدة في الحياة الدنيا.
ولذلك اختلفوا في بعض المفردات فيها: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾، الانشقاق معلوم، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾، بعضهم أخذ المعنى الظاهر من الوَرْدَة وهي الوَرْدَة، قالوا التشبيه بالحُمْرة، وأن هذه الحُمْرة كحُمْرة الوَرْدَة، وبعضهم قال: بأن الوَرْدَة هذه كان العرب تُسمِّي الفرس – إذا كان لونها يتغير نهارًا ومساء فتكون شقراء ثم تصبح كُمَيْتًا – يسمونها وَرْدًا ووَرْدَة؛ الحاصل أن اللون هو المقصود، فهم حتى حينما يذكرون الفرس فإنهم يذكرون لون الفرس، وحينما يذكرون الوَرْدَة فإنهم يذكرون لونها.
﴿كَالدِّهَانِ﴾ قيل: بأنه الدُّهن – الزيت – وهل المقصود به لمعانه وصفاؤه؛ فكأن هذه السماء تنشق فتذوب فتكون كالزيت المذاب في صفائه ولمعانه، أو المقصود هو الكثافة الجسمانية المادية: أنها تصبح – لأنها تذوب – فيصبح الجرم غليظًا منسابًا كما هو الحال في الدهن، في الزيت. فهذه أقوال، وقيل: بأن المقصود بالدِّهَان الأَدِيم، لكن أيضًا حتى عند من قال بأنه الأَدِيم فهم يتحدثون عن اللون: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾.
لكن الحاصل أن الآية لا تتحدث عن آية من الآيات الكونية المشاهَدة، وإنما تتحدث عما يحصل يوم القيامة؛ وذلك الربط بعدها بقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 39]، وقبلها أيضًا: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: 35]، فالسياق نفسه – سياق الآية نفسها والسياق الذي وردت فيه – يؤكد ما تقدم من أن الحديث إنما هو عما يحصل من اختلال نظام الكون يوم القيامة، والله تعالى أعلم.