⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، الحقيقة أن السؤال عميق ومهم، وقد أشار هو إلى الجواب باختصار، وهو أن هذا إنما هو مما يؤكد أن الأصل في البشرية الدين والتوحيد والعبودية لله تبارك وتعالى.
وبهذا نفهم كيف كان لقوم نوح عليه السلام، وهم يكذبونه، كما حكى ربنا تبارك وتعالى في المؤمنون، حكى قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [المؤمنون: 24]، هنا اعتراف منهم بحقيقتين: أن الخالق هو الله سبحانه وتعالى، ثم الحقيقة الثانية: تسمية الملائكة، ومن الحقيقتين تتولد جملة من الإيمانيات التي يجحدونها، وهو أن الله تبارك وتعالى قادر، وأن الملائكة يختلفون عن بني البشر، وأن لهم قوى وملكات غير قوى البشر وملكاتهم.
هذا ما تَأَتَّى لهم إلا من ميراث النبوات منذ آدم عليه السلام إلى سيدنا نوح، فلما انحرفوا في هذه المعتقدات التي جاء بها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، جدد الله تعالى لهم إرسال الأنبياء والرسل ليحيوا فيهم معاني الإيمان والتوحيد والعبودية لله تبارك وتعالى.
وهذا يَدْحَض ما عليه كثير من الماديين اليوم – سواء كانوا من أبناء جلدتنا أو من غيرهم – الذين يَزْعُمون أن الإنسان الأول كان مشتتًا لا دين له، باحثًا عن هدايات، ويُصَوَّر بصورة المتوحش البربري الذي لا يعرف شيئًا ولا يهتدي سبيلًا.
لا، آيات كتاب الله عز وجل ناصة أن آدم عليه السلام وقد أسجد الله تبارك وتعالى له ملائكته، وأن أبناءه كانوا من بعده على هذا الدين، وهكذا جاء ذكر من الأنبياء: شيث، وذُكِر إدريس قبل نوح عليه السلام، بل قيل: بين نوح عليه السلام وآدم عشرة قرون كانوا فيها على التوحيد، فلما انحرف هؤلاء القوم بعث الله سبحانه وتعالى من يجدد لهم معالم الدين.
فالخلاصة أن قوم نوح أخذوا ذلك مما تواترت به أخبار النبوات، أي: أنه أثر من آثار الوحي، من آثار وحي الله تبارك وتعالى الذي جاء به الأنبياء والرسل جميعًا.
وهذا الأمر يَصْدُق أيضًا إذا نظرنا في قوم عاد وثمود، فإن الله تبارك وتعالى أيضًا قص لنا في فصلٍ: قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [فصلت: 14]، أيضًا قالوا نفس القول، فهذا يعني أنهم أخذوه من ميراث النبوات السابقة.
ولذلك فإن بعض أهل العلم، لا سيما من حذاق المفسرين، يقولون: إن هذا الذي جاء به الأنبياء والرسل من هذه الحقائق الإيمانية المتعلقة بالغيب صار عقيدة ضرورة في بني البشر؛ ولذلك فإنهم لا يجادلون فيه، وإنما يشككون في دعوات الأنبياء والرسل.
فقوم نوح – على سبيل المثال – زعموا أن البشر متساوون، ولذلك لا يمكن أن يكون رسولٌ من بني البشر، واعترضوا على نوح عليه السلام: أنه لا بد أن يكون من الملائكة، وأن الله تعالى لو شاء لأنزل ملائكة، وكذا الحال بالنسبة لقوم عاد وقوم ثمود، فإنهم ما أخذوا ذلك إلا مما وصلهم من أخبار الوحي عبر الأنبياء والرسل، وما تواتر من أخبارهم وأنبائهم إليهم، فصار عقيدة بالضرورة، فلا يجادلون فيه، وإنما يستعملونه للرَّدِّ، ثم اتخذوا هؤلاء الملائكة من بعدُ اتخذوهم شفعاء، وسمَّوهم ونسبوهم إلى الأنوثة، وقالوا فيهم ما قالوا.
أما في دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام فالأمر أوضح؛ إن أهل مكة الذين اتخذوا الملائكة إناثًا، وتقرَّبوا إليهم ليقربوهم إلى الله تبارك وتعالى، فإنما أخذوا ذلك أيضًا من دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، التي هي أيضًا امتداد لدعوة الأنبياء والرسل قبلَهما.
إذًا لا يمكن التفسير إلا بمثل هذا الوجه.
ومن زعم بأنهم إنما أخذوه من لسان من ألسنة أنبيائهم ورسلهم ليحاجُّوهم به، فمعنى هذه الشبهة: أن هؤلاء الأقوام ردوا على الأنبياء والرسل بما جاؤوهم به، فهم لا يؤمنون به، وإنما هم يحتجُّون عليهم بقولهم: فأخبروهم بأن الخالق هو الله تبارك وتعالى، وأن له خلقًا يجب الإيمان بهم وهم الملائكة، فقالوا: إذاً لِمَ لا يُرسل الله ملائكة؟ فهذا أيضًا لا يستقيم؛ لأنهم هم أحوج ما يكونون إلى نقض الدعوة من أصلها، وهذه دعوى تساوي البشر، وأنه لا يمكن أن يُخَصَّ أحدٌ منهم بالرسالة باقيةً إلى يومنا هذا، هذه مما يُوهِمون به عامة الناس، لكنهم لا يشككون في الحقيقة نفسها ويطلقون الاسم؛ كانوا سيقولون: كما زعمت، كانوا سيقولون: كما تدعي، كما تفتري، إلى غير ذلك مما لا يدَّخرون في عداوتهم للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
نعم، ويُلْحَق بهذا – من باب الاستطراد باختصار – أن السماوات سبع، فإننا نجد أن خطاب نوح عليه السلام لقومه فيه إقامة الحجة عليهم ببيان بعض الآيات في هذا الكون، أن السماوات سبع، ولم يعترض أحدٌ منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا في مثل هذه القضية، ولذلك قالوا: إن هذا من الإيمان الفطري الضروري.
طيب، من أين اكتُسِب؟ إنما اكتسب مما تواترت به دعوات الأنبياء والرسل، وهذا يؤكد ما أكده القرآن الكريم: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: 213]، أي: كان الناس أمة واحدة فاختلَفوا، فبعث الله.
هذا والله تعالى أعلم.