⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد، فظني أنه ببيان معنى الآية الكريمة سيكون الجواب عن الأسئلة التي سئل عنها جميعا.
فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
اختلفت كلمة المفسرين قديما في معنى هذه الآية الكريمة، وأشهر أقوالهم للتعرف على – قبل أن نبين ما تطمئن إليه النفس –: أشهر أقوالهم أن الزبور هنا هو زبور داود عليه السلام، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾، وقيل بأن الزبور هو كل كتاب مزبور، فالزبر إنما هو الكتابة، فكل الكتب السابقة يصلح أن تسمى زبورا، ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾، أي في كتب الأولين.
واختلفوا أيضا في «الذِّكْر» في معنى الآية الكريمة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾، فهل الذكر هو أمُّ الكتاب، اللوح المحفوظ؟ هل الذكر هو التوراة لأنها هي التي كانت قبل الزبور؟ أو أن الذكر بمعنى المصدر، هو التذكير والذكرى التي أحدثها الله تبارك وتعالى للناس، فيكون معنى الذكر: الذكرى والتذكير والوعظ والرشد التي أنزلها الله تبارك وتعالى على عباده؟ كل هذه وجوه في معاني بعض مفردات هذه الآية الكريمة.
الآن نحن إذا نظرنا سنجد أنه لا حاجة إلى أن نتأول الزبور؛ صحيح أن المعنى اللغوي لزبور – وورد أيضا في بعض الاستعمال القرآني – أن الزبور هو الكتب، تصدق على الكتب التي أنزلها الله تبارك وتعالى، لكن الحديث هنا عن معرَّف بـ«أل»: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾، فهذا ينصرف إلى معهود، وهو داود عليه السلام.
وأما الذكر فإنه يصلح أن يقال: إن الذكر هو كل ما ذكر الله عز وجل به من عباده، سواء كان ذلك في كتب أنزلها على عباده، أو كان في مواعظه وعبره وعظاته أرسلها إليهم، أو كان ذلك – كما تقدم – في اللوح المحفوظ، في أم الكتاب، أو كان في التوراة، كل ذلك صالح، أو كان في القرآن الكريم؛ لأن الذكر يستعمل كثيرا في القرآن الكريم بمعنى القرآن، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ويرِد كثيرا بمعنى القرآن.
فالسبب في هذا الاختيار هو أنه إلى يومنا هذا في مزامير داود نجد نصا مشابها لهذا النص، أشار إليه من المفسرين العلامة ابن عاشور في «التحرير والتنوير»، نقله عن مستعرب إيطالي، ونقل نصه بحروف عربية: «صديقين يورشوب...» – محاضرة للدكتور سامي العامري نقل نفس هذا النص – «صديقين يورشوب...»، وقال: إن العبرية: الثاء العربية فيها – الثاء المعجمة – تُنقل إلى حرف الشين المعجمة عندهم «يَرِثوا»، «يَرِثوا»، وإن «الصديقين» في العبرية تأتي بمعنى «الصالحين»، «العباد الصالحين»، و«ورثة الأرض». فمزامير داود إلى اليوم تشتمل على هذا النص.
إذن: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
الآن بقيت هذه الجملة: ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾؛ لأن الزبور قبل – إذا قلنا بأنه القرآن – فالزبور قبل القرآن، فالقرآن بعده، ولذلك فإن طائفة من علماء اللغة وبعض المفسرين يقولون: إن «مِنْ بَعْدِ» هنا تعني «مِنْ قَبْلِ»، لكنهم لا يذكرون شاهدا لغويا، يستشهدون بهذه الآية الكريمة، فيقولون: «مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ» أي «مِنْ قَبْلِ الذِّكْرِ»، ولكن في النفس شيء من هذا التوجيه؛ لأنهم لم يذكروا شاهدا آخر.
وإنما يمكن أن يكون معنى البعدية هنا معنى المعية، فبمعنى «مع»، فهو يعني بعدية مجازية، كما في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، فليس المقصود أنه هو كان قبلا عُتُلًّا، ثم كان عتلا، ثم بعد ذلك صار زنِيما، لا، المقصود: إنه مع كونه عُتُلًّا فإنه زنيم. أو نقول – كما قال أيضا بعض المفسرين –: علاوة على كونه كذا فهو كذا؛ فيقولون: فلان كريم وهو بعد ذلك شجاع، فالمقصود: إنه فوق ذلك، مع كرمه فهو شجاع أيضا. فبهذا المعنى يمكن أن نقول: إن البعدية هنا بمعنى المعية، بمعنى البعدية الذكرية المجازية؛ فهو فوق ما ذكر في الزبور فإنه مذكور أيضا في القرآن.
هذا يتناسب مع نصوص في كتاب الله عز وجل، من نحو قوله جل وعلا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55]، فهذه الآية معناها يؤكد صدق ما بشرت به هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
بقي فقط ما المقصود بـ«الأرض»؟ فيها خلاف أيضا؛ ذلك أن طائفة من المفسرين يرون أن الأرض هنا هي أرض الجنة التي يورثها الله تعالى لعباده المؤمنين، لكن بعد هذا القول طائفة أيضا من محققي المفسرين – وهو الصحيح – فإن المقصود الأرض في هذه الحياة الدنيا، والمعنى الإجمالي: أن الله تبارك وتعالى يجعل السيادة والغلبة، ويجعل التمكين لعباده المؤمنين الصالحين الأتقياء، فهم الذين يُمَكَّنُ لهم في الأرض لتكون لهم سيادة الدنيا وسياسة، وليكون لهم العز والتمكين فيها، متى ما تحققت فيهم هذه الشروط: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
وأن هذا المعنى معنى اشتركت فيه الرسالات السماوية السابقة، فكل نبي أو رسول كان يبشر قومه بذلك: أنهم بصلاحهم واستجابتهم لأمر الله تبارك وتعالى، وحسن تدينهم له جل وعلا، أن الله عز وجل يمكن لهم في الأرض، فتكون لهم الغلبة والسيادة والعزة في هذه الحياة، ويفتح الله تبارك وتعالى لهم آفاق الأرض؛ فهي من باب أولى صادقة في هذه الأمة متى ما تحققت فيهم هذه الشروط، وبهذا يتضح المعنى، والله تعالى أعلم.
يبقى الجزء الثاني: هل ذلك من علامات الساعة؟ مرتبط بالساعة؟ لا علاقة له بالساعة؛ لا علاقة – الآن تبين أن المعنى أن هذا وعد من الله تبارك وتعالى وفيه بشارة، وهذا الوعد والبشارة تحمل حثًّا لعباد الله المؤمنين أن الله عز وجل سيمكن لهم في الأرض متى كانوا صالحين أتقياء، آخذين بما يدعوهم إليه دينهم: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، ﴿إِنَّمَا النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ – ﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ – ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾، ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾، وله شواهد أخرى كثيرة في كتاب الله عز وجل.
فأنا لا أعرف لماذا يُسأل الناس كثيرا عن ارتباط السيادة والتمكين بزمن علامات الساعة، هذا حث وترغيب واستنهاض من الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين، كما أنه كشف للأسباب الصحيحة للنصر والتمكين والعزة في هذه الأرض، وهو وعد كتبه الله عز وجل في كتابه – كما يخبرنا هنا – أنه كتبه في كتبه السابقة بأن ينصر الله عز وجل عباده المؤمنين الأتقياء الصالحين.