⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن للمفسرين أقوالا في بيان معنى هذه الأرض الواردة في كتاب الله عز وجل في أكثر من موضع.
وينبغي لنا أولا أن ندرك أن الأرض ترد في كتاب الله عز وجل يُراد بها الدنيا، أي هذه الأرض التي يحيا عليها الناس، كما أنها ترد للدلالة على أرض مخصوصة، كما في سورة يوسف: ﴿لَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ يقصد الموضع الذي كانوا فيه من أرض مصر، وكما في قصة موسى مع بني إسرائيل: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فإن المقصود بذلك أرض فلسطين، ونجد كذلك أنه يراد بها الأرض التي تكون أرض المحشر، ففي قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾.
لكن في هذه الآيات التي فيها وعد من الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين: هل المقصود بذلك الوعد في هذه الحياة الدنيا بأن يورثهم الله تبارك وتعالى الأرض بالتمكن والتغلب والحكم ونشر دعوة الحق إلى الناس، أو أن المقصود بذلك الجزاء والثواب في الآخرة؟ هذان القولان هما أشهر أقوال المفسرين.
لكن بالنظر إلى آيات الكتاب العزيز فإن ما يتعلق بالجزاء الأخروي يأتي بينا واضحا في كتاب الله تعالى لا يحتاج إلى أن يذكر معه ما يمكن أن يُفهم التباس الأمر في أي أرض تُقصد.
أما هذه المواضع فإن كتاب الله عز وجل نفسه يبين المقصود منها؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، ويقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.
فهذه الآية صريحة في أن المقصود بالأرض هذه الحياة الدنيا، وهي –أي هذه الآية والآية قبلها– تبين الأسباب التي تحقق هذا الميراث؛ فالإيمان والعمل الصالح، ففي الآية الأولى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾؛ فهم عباد أوفياء أتقياء لله تبارك وتعالى، ولذلك أضافهم إلى نفسه، ثم إنهم يعملون الصالحات.
والمقصود بالصلاح: صلاحهم في أحوالهم، وفي عبادتهم، وفي عمارتهم لهذه الأرض، وفي معاملاتهم مع بعضهم البعض، وفي معاملاتهم مع غيرهم، فيأخذون بالأسباب التي تورثهم الأرض؛ من اجتماع الكلمة، ونفي أسباب الشقاق، والجد والاجتهاد في العلم والعمل والعبادة وحسن الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى الإصلاح في هذه الأرض، وفي نفي الباطل، والنهي عن المنكر، ودرء أسباب الضرر والأذى عن هذه الحياة.
فهذه المعاني هي المقصودة بالصلاح وبصدق الإيمان بالله تبارك وتعالى، وهذا ما نجده في الآية الثانية أيضا في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، فليس المعنى محصورا في الصلاح الديني –أو الذي يعرفه الناس اليوم بالصلاح الديني– وإنما يشمل ذلك الصلاح الدنيوي؛ والمقصود بالصلاح الدنيوي كل الأسباب الداعية إلى ما يحقق التمكين في هذه الأرض؛ من التآلف والتعاون، والعلم والعمل، والصلاح، والخلق القويم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الفضيلة والالتزام بها، والنهي عن الرذائل واجتنابها؛ فكل الأسباب: أسباب القوة، أسباب المنعة والعز والتمكين داخلة في معنى الصلاح.
ولذلك فإن هذه الآيات تحمل على هذا المعنى، وهذا أيضا ما نجده في غير هاتين الآيتين، في قوله تبارك وتعالى أيضا في سورة القصص: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾؛ فالله تبارك وتعالى يعد هؤلاء –إذ هم أخذوا بأسباب الاهتداء واستجابوا لدعوة نبيِّهم عليه الصلاة والسلام– يعدهم بأن يحقق لهم التمكين، وأن ينفي عنهم الظلم، وأن يورثهم الأرض التي كانوا فيها.
والله تعالى أعلم.