⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فلا ريب أن القرآن العظيم تناول موضوع الإصلاح بكل معانيه تناولاً أساسياً، بحيث كانت قضية الإصلاح في الأرض وما يقابلها، أي الفساد في الأرض، قضية أساسية في كتاب الله عز وجل.
فالله سبحانه وتعالى قد بعث أنبياءه ورسله مصلحين في هذه الأرض، والإصلاح إنما يكون بدعوة الحق التي جاؤوا بها من عند ربهم تبارك وتعالى، لنفي اتباع الأهواء ولردِّ الناس إلى الصراط المستقيم، توحيداً لله تبارك وتعالى وعبادة خالصة له جل وعلا.
هذه هي دعوة الإصلاح المقصودة، وينشأ منها صلاح في عموم أحوال الناس جميعاً؛ صلاح لا ريب في معتقداتهم، في إيمانهم بالله عز وجل، وصلتهم بالخالق المعبود جل وعلا، وينشأ من ذلك صلاح أيضاً في تدينهم واستقامتهم، في أخلاقهم وسلوكهم، في معاملاتهم مع بعضهم البعض، بل ينشأ من ذلك أيضاً صلاح في هذه الأرض التي يحيا فيها الناس جميعاً؛ لأن كل ذرة من ذرات هذه الحياة إنما تسبح بحمد الله تعالى، وفي كل شيء له جل وعلا علامة على وجوده وعلى وحدانيته.
فإذا ما تجاوب هذا المخلوق الذي هو الإنسان، الذي حُمِّل أمانة عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، تجاوب مع دعوة الحق التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، نجد أن الكون بأسره يتجاوب مع هذه الدعوة، فإذا به يتحقق فيه الإعمار الذي استخلف لأجله هذا الإنسان، وإذا به يتحقق فيه – أي هذا الكون – معاني السمو والفضيلة، وإذا بأخلاق الفساد في الأرض كالرذائل والخطايا، وبما يمكن أن ينتشر من جراء التنكب عن طريق الحق المستقيم، وعن طريق الهداية والرشاد الذي أنزله الله سبحانه وتعالى، الذي بعث الله تعالى به أنبياءه ورسله، إذا به يضمحل ويتلاشى.
هذا ما نفهمه من قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: 71]. نعم، وهذا ما نفهمه أيضاً حينما نجد في بدايات سورة البقرة أن خطاب المؤمنين لأولئك الذين تنكبوا الطريق قبل دعوتهم إلى الإيمان، قبل دعوتهم إلى أن يؤمنوا بما آمن به الناس، كان دعوة إلى النهي عن الفساد والإفساد في الأرض: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قالوا إنما نحن مصلحون ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ثم بعد ذلك قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
فمن هذا كله نفهم أن الإصلاح في الأرض الذي نتحدث عنه يشمل كل أنواع الصلاح: الصلاح في الأنفس، والصلاح والاستقامة والتدين في الأخلاق والفضيلة، والمسلك الذي يسلكه الإنسان في هذه الحياة، والصلاح في تعامل هذا الإنسان الذي سُخِّر له ما في السماوات وما في الأرض مع مفردات هذا الوجود إعماراً واستصلاحاً وبناءً ورقياً، كما أنه ينفي أيضاً كل أنواع الفساد.
فإن الإصلاح – كما الفساد – يطلق، لنأخذ الإصلاح بداية، يطلق ويراد به ما كان صالحاً في ذاته، أي ما كانت فيه منفعة مرجوة لذاته، وتأتي الهمزة للدلالة على الجعل، أي أن يجعل الشيء الفاسد صالحاً، فهي تُطلق على القدر المشترك للأمرين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]، أي بعد أن خلقها الله سبحانه وتعالى صالحة بما فيها من منافع، وبما ركَّب الله تعالى فيها من جمال وزينة وحسن انتظام.
فالله سبحانه وتعالى ينهى عن الإفساد في هذه الأرض التي خلقها صالحة، إلا أن التعبير القرآني قال: ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ أي بعد وجودها صالحة، والإفساد المنهي عنه هو التنكب لدعوة الأنبياء والمرسلين إلى توحيد الله عز وجل وعبادته، وإلى اتباع الصراط المستقيم.
ويُطلق أيضاً الإصلاح على جعل الشيء الفاسد صالحاً؛ يقال: أصلح الشيء إذا جعله صالحاً بعد فساد طرأ عليه أو كان عليه أصلاً.
والفساد في المقابل أيضاً، فإن «أفسد» كـ«فَسَدَ» أيضاً هذا المقدار المشترك، بمعنى – أقصد بالمقدار المشترك – يقال: فسد الشيء إذا وُجد فاسداً أصلاً، ويقال: فسد الشيء إذا كان صالحاً ثم طرأ عليه الفساد، ويقال: أفسد أيضاً إذا عَمَد أحد إلى شيء صالح ذي منفعة فأدخل عليه الفساد.
هذه المعاني كلها موجودة في الاستخدام القرآني من خلال الكثير من السياقات التي ذُكرت بعضها، فنجد أن دعوة الأنبياء والمرسلين هي دعوة إصلاح، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: 88].
نجد أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده حينما أمرهم بالاستجابة لداعي الإيمان أن نهاهم عن الإفساد في الأرض، وكان ذلك لا يتحقق إلا بهذا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56].
وللفائدة فإن الدعاء المأمور به هنا بمعنى العبادة، أي فاعبدوه خوفاً وطمعاً؛ فتقدم الأمر بالنهي عن الإفساد في الأرض قبل الأمر بعبادة الله عز وجل خوفاً وطمعاً، وذلك لأن هذه العبادة لا يمكن أن تنشأ إلا عن إيمان صالح يرسخ في نفس هذا المؤمن.
فتتجاوز أيضاً الإصلاح في الأرض في بيان صف المؤمنين، وفي المقابل نجد الفساد في الأرض في بيان صفات الذين يطغون في هذه الأرض، أو الذين يظلمون الآخرين، أو يظلمون أنفسهم بالشرك بالله سبحانه وتعالى، وعدم اتباعهم الصراط المستقيم، أو ببثِّهم ونشرهم الفساد والرذيلة في الناس، أو بنشرهم الفساد وإهلاكهم للحرث والنسل في هذه الأرض.