⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولاً: الذي يظهر أن الإفساد في جزء من الأرض كالإفساد في الأرض كلها.
وثانياً – وهذا ملحظ هام – أن تصرفات الناس وسلوك الأفراد لا ينفك بعضه عن بعض، كما أنه لا ينفك عن أن يكون مؤثراً في حركة هذا الوجود بأسره، وهذا ما نلمسه – كما تفضَّلتم – في قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾.
فإن من يفسد في الأرض بسفك الدماء، أو التعدي على الأعراض، أو نشر الرذائل، والتطاول على كرائم الأخلاق وعلى جميل الصفات، لا ريب أنه يفعل ذلك في جزء من الأرض، إلا أن لذلك أثراً في سائر هذه الحياة.
فحينما نتحدث عن التقتيل، فإننا نتحدث عن أسلحة يمكن أن يبتكرها هذا الإنسان، فتقضي على الأخضر واليابس. حينما نتحدث عن دعوة إلى رذيلة، فإننا نتحدث عمَّن سوف يتجاوب مع هذه الدعوة في شتى بقاع هذه الأرض. حينما نتحدث عن ضلال في الفكر يتنافى مع العقيدة الصحيحة ومع الإيمان الخالص لله سبحانه وتعالى، فإن لذلك أثراً في كل هذه الأرض.
ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى حينما ذكر قصة مَن تنكَّب عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخنس عن الالتحاق بجند المسلمين، نجد أنه وصفه – أي القرآن العظيم وصفه – بالإفساد في الأرض مع أن فعله كان في منطقة محدودة، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۖ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: 204-206].
فهذا يدل دلالة واضحة على أن تصرف الفرد الواحد تتجاوب معه مفردات هذا الوجود، فيُحدِث ضرراً وخللاً في النظام الصالح الذي وُجد عليه هذا الكون، وهذا الخلل وذلكم الاضطراب هو الذي يُعبَّر عنه بالإفساد في الأرض.
ولعل واقع الناس اليوم أكبر دليل على هذه الحقيقة القرآنية، فإن ما يمكن أن يتوصل إليه، أو ما توصَّل إليه عقل الإنسان من وسائل نافعة تحقق الصلاح في الأرض جميعاً، كما أن ما توصَّل إليه عقل هذا الإنسان حينما تنكَّب للفطرة السليمة، وابتعد عن رسالات الله سبحانه وتعالى وعن دعوة الرحمة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى مع أنبيائه ورسله، فإنه – أي هذا الإنسان – ابتكر من وسائل الدمار والإفساد في هذه الأرض، وتلويث البيئة، وإفساد أخلاق الناس، وبثِّ سموم الفكر والمعتقد والرذائل فيهم، ما يتجاوب معه أفراد في سائر أرجاء هذه المعمورة.