مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

أنواع الفساد في الأرض

ما هي أنواع الفساد الموجودة في الأرض كما وصفها القرآن الكريم، وكيف بيّن مواطن خطأ الناس فيها؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الإصلاح في الأرض الذي جاء به هذا الدين الحنيف على لسان أنبياء الله تعالى ورسله الكرام عليهم الصلاة والسلام هو الحق الذي أراد الله عز وجل الناس لاتباعه، وهذا هو الذي نجده –كما بينا بالأمس– في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: 71]. فالإصلاح إنما يبدأ من دواخل، من داخل ذوات نفوس المخاطبين، يبدأ بالعقيدة الإيمانية الصافية التي يدين بها هؤلاء لربهم الخالق الرازق الذي منه المبدأ وإليه المصير، ذلك أن مقابل الإصلاح في الأرض –طالما أننا قد قررنا أن الإصلاح يعني عمارة هذه الأرض وفق منهج يرضي الله سبحانه وتعالى، ويعني نشر الفضيلة فيها، وأن الإصلاح يعني الأخلاق القويمة والسلوك المستقيم والهدي الراشد القاصد، والسير في هذه الأرض والسعي في مناكبها بما يرضي الله عز وجل طلبا للرزق وطلبا للحياة الهانئة الرغيدة الكريمة التي يمكن أن تتحقق لهذا الإنسان– فإن في المقابل الفساد في الأرض هو عملية غاية في السهولة. إذا كان الإصلاح عملية تستدعي تعميرا وبناء، وتحتاج إلى علم، كما أنها تنطلق من مبدأ إيماني راسخ يصل بين هذا الإنسان من مبتداه إلى مصيره، ويبين له حقيقة وجوده في هذه الحياة الدنيا، ويبين له عِظم الأمانة التي حُمِّل إياها حتى يلقى الله سبحانه وتعالى في الآخرة؛ فإن في المقابل الفساد عملية سهلة للغاية، ولا تستدعي ذلكم البناء والتعمير والعقيدة الراسخة في النفوس. نعم، ولذلك نجد أن كثيرا من آيات القرآن العظيم تنهى عن الفساد في الأرض في السياق الذي تُبيِّن فيه دلائل عظمة الله سبحانه وتعالى والآيات الدالة على استحقاقه للعبودية واستحقاقه للتوحيد الخالص، حتى يكون بناء ما يَنفِى عن هذا الإنسان تجرؤه على الفساد في الأرض بناءً قويما يتحكم في هذا الإنسان بوازع الإيمان؛ فوازع الإيمان وحده هو الذي يمكن هذا الإنسان من أن يتغلب على الهوى والشهوات وعلى دواعي الشر فيه ومن حوله لكي يفسد في هذه الأرض، فلا يمكن أَطْرُ ذلك جميعه إلا بواعظ الإيمان، نعم، والخوف من الله سبحانه وتعالى والرجاء لثوابه. وهذا هو ما نجده في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 55-56]، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. فأمر بعبادته مقرونا بالنهي عن الإفساد في الأرض، يدل على أن هذه العبادة الخالصة لله سبحانه وتعالى هي التي تغرس ما يردع هذا الإنسان، هي التي توجد الواعظ الذي يمنع هذا الإنسان، يحجزه من أن يعتدي في هذه الأرض أو ينشر فيها الرذيلة أو أن يسعى فيها بخراب ودمار. ومع ذلك كله نجد أصنافا وألوانا –كما سألتم– من أنواع الفساد في الأرض التي يبينها لنا القرآن الكريم، ويبينه لا لحصر أنواع الفساد فيها، وإنما للدلالة على أشباهها في ما يشبه تلك المنصوص عليها في كتاب الله عز وجل. فإذا ما تحدثنا عما يفترض أن تكون عليه مجتمعات المسلمين، فإننا نتحدث عن قيم الإخاء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، نتحدث عن المودة والمحبة التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «ترى المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». هذا البِناء المتراص المتوا… المتعاطف، تجد أن القرآن العظيم يحذر من كل ما يمكن أن يؤدي إلى تقويض أركانه وإلى تشتيت كلمته وتفريق جماعته. نعم، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: 73]، بعدما بيَّن أحوال المهاجرين والأنصار وما ينبغي أن تكون عليه أحوالهم وصلاتهم بالمسلمين الذين لم يهاجروا، ينقل للمسلمين واقع أحوال الذين كفروا ليحذر من أن يكون هناك اقتداء بهم أو من أن يكون هناك اقتراب من هؤلاء الذين يشكلون لحمة في عداوتهم وفي بغضهم للمسلمين ولمجتمع المؤمنين، فيقوِّض ذلك أركانَ مجتمع المسلمين المتراص المتآخي؛ ولذلك قال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. فهذا مثال فيما يتصل بجانب العقيدة والإيمان والمحافظة على هذا الركن الركين والمبدأ الأصيل الذي يَؤُوب إليه المؤمنون جميعا. يأتي ما يتصل بتنظيم جماعتهم وبأحوال مجتمعاتهم وما ينبغي أن تكون عليه، ونجد أيضا مثل ذلك في التعليمات التي جاء بها القرآن الكريم مما يتصل بأخلاق معاملات المسلمين فيما بينهم، من النهي عن السخرية، وعن اللمز، وعن التنابز بالألقاب، وعن الغيبة، وعن النميمة؛ لأن هذه تَنخُر في أصل المجتمع. نعم، فإذا ما كان دَيدَن أفراد المجتمع اللمزَ والتنابزَ والسخريةَ على فئاتٍ منهم أو على بعض أفرادٍ منهم، فإن ذلك لا شك –حتى ولو حمل لواء تلك الدعوات من يدَّعي أنه يصلح في الأرض– فإن هذه الدعوى هي التي ردها الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: 11]، فهؤلاء يدَّعون أنهم يصلحون لكنهم في الحقيقة يفسدون: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 12]. لنأخذ مثالا آخر حتى لا يطول بنا الحديث؛ قلنا: جانب العقيدة، وقلنا: جانب ما يحقق وحدة مجتمع المسلمين وألفة كلمتهم وتلاقي مشاعرهم، نجد أيضا بعد ذلك ما يتصل بمنع التعدي على أعراض المسلمين وعلى ممتلكاتهم وعلى أنفسهم، وهذا حينما نجده في مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]. نعم، هذه أمثلة؛ أيضا حينما نجد أن الله سبحانه وتعالى ينهى عن الاقتراب من الفواحش، ويقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]، فإن هذا يدل على أن مجرد الاقتراب من هذه الفواحش إنما يُورِث فسادا في الأرض. نعم، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». حينما نأتي إلى الجوانب المالية –على سبيل المثال، ونحن نأخذ شذرات من التشريعات التي نفصل بعد ذلك إن شاء الله– حينما نأتي مثلا إلى قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: 188]، وينص أهل العلم على أن المقصود بذلك الرِّشوة، وكثير من المفسرين يقول بأن هذا هو السُّحْت الذي حذر الله تعالى هذه الأمة من أن تقع فيه، حينما بين أن أكل السُّحْت إنما هو من صفات الأمم قبلهم، حينما وصفهم القرآن بقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: 42]. نعم، وهكذا الحال بالنسبة للتشريعات الخُلُقية، وهكذا بالنسبة للتشريعات الاجتماع… تجد مثل هذه الآيات القرآنية وتجد أحاديث نبوية شريفة كلها تؤكد على غرس مبدأ الإصلاح في الأرض، وتحذر من كل ما يمكن أن يؤدي إلى الإفساد في الأرض، ولو بدا للناس في ظاهره على أنه مجرد تصرفات فردية أو أنها حرية شخصية كما يظن بعض الناس.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣١‏/٥‏/٢٠١١👁 2 مشاهدة
🎬

الإصلاح في الأرض (الحلقة 2) - د. كهلان الخروصي

العقيدةمسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

معنى الإصلاح والإفساد

2 👁

ما المقصود بالإصلاح في الأرض والإفساد في الأرض كما يعرضهما القرآن الكريم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

الادعاء بالإصلاح مع الإفساد

2 👁

هل يمكن أن يكون الإنسان مفسدًا في الأرض وهو لا يشعر ويدعو الناس إلى الإصلاح، وكيف يميز الناس بين من يدعي الإصلاح وهو مفسد وبين غيره؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

خطر فساد الأخلاق

2 👁

ما خطر فساد الأخلاق على الفرد والمجتمع؟

👤عبدالله بن سعيد المعمري
٢٧‏/٢‏/٢٠١٢

المال والقيم الأخلاقية

2 👁

ما الذي يُفهم من ربط المال والزكاة في القرآن الكريم بالقيم الأخلاقية وذم من يمنع المال عن مستحقيه ويفسد في الأرض؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

الفساد في الأرض والحضارة

2 👁

في قوله تعالى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس... ثم قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين؛ هل تشير هذه الآيات إلى علاقة الفساد في الأرض بقيام الحضارات وانهيارها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

تعريف الفساد شرعًا

2 👁

كيف يُعرِّف الإسلام الفساد من المنظور الشرعي: هل بحسب رأي الناس وشهادتهم أم بحسب الآثار السلبية أم بمعيار آخر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٥‏/١٢‏/٢٠١١