⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
كثيرا ما يدعي بعض الناس أنهم مصلحون، ومن إعجاز بيان القرآن الكريم أنه استخدم هذه الجملة: ﴿وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ مع أنه أكد حقيقة أنهم من المفسدين في الأرض، بل حصر الإفساد فيهم حينما قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، بمعنى أن ما يظنون أنه صلاح…
قلنا: إن بعض الناس يدعي أنه من المصلحين، وأنه ينشر في المجتمعات الفضيلة، وأنه يحمي هوية تلك المجتمعات، وفي حقيقة الأمر فإن أفعاله وأقواله تناقض ذلك كله؛ لأن وسائله التي يتبعها تقوض أركان المجتمع، فهو يبني معالجته لتلك الظواهر –في ظنه هو– بالسخرية من الآخرين، أو بالاستهزاء حتى بالمبادئ أحيانا، أو بالتضييق على الآخرين فيما يرى له هو سعة ومجالا، ولذلك أمثلة كثيرة في واقعنا المتجدد.
فإن القرآن العظيم حينما وصف هؤلاء، وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، ثم بعد ذلك قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: 11-13]، حتى إنهم لم يقولوا: أنؤمن كما آمن الناس؟ فإنهم يلمزون أولئك الذين آمنوا بأنهم من السفهاء؛ نجد أن هذا المشهد يتكرر كثيرا.
فلمَّا عبَّر القرآن العظيم بأن الصنف الأول هم ممن لا يشعرون؛ هم لا يشعرون بأن هذا الضرر يقع عليهم هم أنفسهم، هم يظنون أنهم بمسلك ذلك –يدَّعون– أنهم يصلحون، وأن الضرر الناشئ من المسلك الذي يرونه أو الذي يسيرون عليه لن يكون، لن ينالهم، مع أن القرآن الكريم يبين أن الضرر حينما يقع سوف يبدأ بهم هم أنفسهم، ويبدأ بهم هم أنفسهم.
ولهذا فإن كل من يدعي الإصلاح ينبغي له –قبل أن يسلك المسلك الذي يعالج به أوضاعا ما، أو يصحِّح به ظاهرة في مجتمع من المجتمعات، أو ينادي به إلى شيء من الحق والصواب– ينبغي له أن يتخذ الوسيلة المناسبة لذلك؛ لأن ليس كل ما يمكن أن يحقق له الغرض هو مما يشرعه الله سبحانه وتعالى.
ولهذا نجد هذه التشريعات التي تدعو المسلمين إلى ترك السخرية بالمسلمين، أو نبزهم بالألقاب البذيئة، أو التنابز فيما بينهم، أو المشي بينهم بالنميمة وإثارة الفتن والقلاقل؛ لأن ضرر ذلك لن يقتصر على من يظن هؤلاء أنه سوف ينالهم، وإنما سوف يكون الضرر عاما وسوف يشمل المجتمع بأسره.
وهذا هو ما أشرتم أيضا إليه في المقدمة: من أن إذا كنا بالأمس قد ذكرنا أمانة العلم، وما يمكن أن يُحدثه فساد أهل العلم من آثار خطيرة في المجتمعات، فإن كل من يتحمل مسؤولية الكلمة –مكتوبة كانت أو مقروءة أو مرئية– يحمل نفس هذه الأمانة؛ فإن لم تكن معالجته للواقع ومشكلات الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، وإنما لجأ –كما قلنا– إلى السخرية، ليس فقط من فئات في المجتمع، بل قد يصل الأمر إلى حد الاستهزاء بالمبادئ ذاتها، فإن أثر ذلك عظيم، وهذا هو الفساد في الأرض الذي حذر منه الله تبارك وتعالى.
ولذلك فإن هذا لا يمكن أن يُؤطَر إلا بواعظ الإيمان، وكل يفِد على ربه تبارك وتعالى وهو مسؤول عن أعماله التي جَناها، كسبها بيديه في هذه الحياة الدنيا.
إذا هذا معنى أنه يمكن أن يدعي الإصلاح وهو لا يشعر، أي: لا يشعر بخطورة أثر هذا المسلك الذي يسلكه عليه هو، كما على المجتمع وعلى الآخرين الذين يدعي أنه يبث فيهم الصلاح.
أما أولئك الذين يرفعون فقط دعاوى الإصلاح، إلا أنهم في الحقيقة يبثون الرذيلة وينشرون الفساد في هذه الأرض، فإن أمثلتهم كثيرة، ومن أصنافهم الذين يقتضي المقام الإشارة إليهم –كما قلت– هؤلاء الذين يحملون أمانة إيصال رسالة الخير إلى المجتمعات عبر وسائل الإعلام المختلفة، وعبر الفضائيات المفتوحة، وعبر الشبكة العالمية للمعلومات التي يطالعها أبناؤنا وبناتنا وشبابنا وناشئتنا جميعا.
هؤلاء إن كانوا يحسبون أن ما يأتي من مجتمعات غريبة يقوض هوية مجتمعات المسلمين ويؤثر سلبا على ناشئتِها، فإنهم في المقابل لا يقومون بالإصلاح الذي ينبغي، وقد تحملوا هذه الأمانة وحملوا هذه المسؤولية؛ لأن ما يقدمونه للناس أيضا لا يقل ضررا عن ما يَفِد إلى مجتمعات المسلمين وما يتلقاه ناشئتُها من مجتمعات غريبة بعيدة في ثقافاتها؛ فيكون هناك إصرار على تقديم الغث دون السمين، والضار دون النافع، وعلى غرس قيم تُسهِّل تجرؤ الناس على التَّهَاوُن بأحكام شرع الله عز وجل، والتساهل في حدوده، وانفراط عقد منظومة الأخلاق فيه، وبث روح الهزيمة واليأس.
حتى إننا وجدنا أن من ضمن الدعوات –وأَجِلُّ في هذه الكلمة– أن بعض الكُتَّاب أو بعض المسؤولين عن هذا النوع من الخطاب يَفِرُّون حتى من دعوة المجتمع إلى التوبة وإلى الاستغفار وإلى العودة إلى الله سبحانه وتعالى، وكأن المجتمعات التي يوجدون فيها هي مجتمعات كاملة خالية مما يستدعي ويستوجب التوبة والعودة إلى الله سبحانه وتعالى، مع أن الله عز وجل خاطب نبيه الذي غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]، وقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: 1-3]، ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
فكيف يَرى أو يَنفُ مسلم ينتمي إلى مجتمعات المسلمين أن تُدْعَى –سواء كان ذلك في حالة السعة أو في حالة الشدة، أو في حالة الكوارث، أو في حالة أي نوع من أنواع الأزمات التي تكتنف المجتمعات وتمر بالمسلمين– كيف ما الضرر الذي يمكن أن يقع على المسلمين بحيث يجعل هذا مما يُحذَّر منه الناس، ومما يوصف أو يوسم بأنه يتنافى والوسطية والاعتدال؟! إذا هل تكون الوسطية والاعتدال بجعل الناس يُصِرُّون في أخطائهم وفي سيرهم الذي سوف تكون عاقبته وخيمة على المجتمع بأسره، ولا يُذكَرون بالله؟