مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

تعريف الفساد شرعًا

كيف يُعرِّف الإسلام الفساد من المنظور الشرعي: هل بحسب رأي الناس وشهادتهم أم بحسب الآثار السلبية أم بمعيار آخر؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فلا ريب أن موضوع الفساد من الموضوعات التي تؤثر مباشرة في بناء المجتمعات، وتتصل صلة قوية متينة بقوام الحضارات، وتؤدي هذه القضية –وهي قضية الفساد بشتى أنواع الفساد الذي يمكن أن يتحدث عنه بنو البشر– تؤدي إلى نتائج في عموم أحوال الناس يمكن أن تُتَلخَّص في غياب العدالة، وتضييع الفرص، وإيثار غير ذوي الكفاءات، وتقديم المصالح الخاصة على المصالح العامة، فيفشل عن المنهج القويم، ويعم حينها الظلم والمحسوبية، وتُقوَّض بذلك أركان المجتمع، وتغدو حياة الناس حياة مليئة بالأحقاد والمنافسة على أطماع دنيوية وعلى مآرب شخصية، فلا يصيب المجتمع من ذلك نفع ولا فائدة ولا مصلحة. ولهذا تناولت التشريعات الربانية موضوع الفساد تناولاً مباشراً، تناولته من حيث جوانبه العقدية، وتناولته من حيث الجوانب الخلقية التي تكتنف موضوع الفساد، وتناولته من حيث أثر العبادات في صياغة شخصية بعيدة عن الفساد، ساعية إلى الصلاح والإصلاح في المجتمع. ومن خلال هذه المعالجات جميعاً، ومن كل هذا التناول، لابد لنا حينما نريد أن نعرّف الفساد بكل أنواعه، أو أن نعرّف نوعاً منه كالفَساد الذي تفضلتم بالإشارة إليه في المقدمة وهو الفساد الإداري، أو ما يتصل به من فساد مالي أيضاً، لا يمكن أن نهمل جانباً من هذه الجوانب ونبني التعريف على جانب واحد فقط. فلا يمكن لنا أن نعرّف الفساد –سواء كان فساداً إدارياً أو فساداً مالياً أو فساداً بيئياً أو فساداً سياسياً أو غير ذلك من أنواع الفساد– بناءً على ما تعارف الناس على أنه ردود أفعال عموم الناس أو الرأي العام، ولا يمكن الاقتصار في تحديد الفساد بناءً على تشريعات يمكن أن يؤطّر الناس من خلالها أنظمة ولوائح وقوانين يُلزم الناس بها، فتعد مخالفتها الظاهرة فساداً، ويعد الالتزام الظاهر بها غير فساد؛ لا يمكن الاقتصار على ذلك. وسأبين: لا يمكن أيضاً أن نحدد مفهوم الفساد من خلال المخالفات القيمية الخُلقية فقط، بل لابد من الاعتبار لكل هذه الجوانب، وبذلك فإن الموازين التي يحدَّد بها مفهوم الفساد عموماً، أو الفساد الإداري خصوصاً، إنما تُبنى على اجتماع هذه كلها، ولا يمكن أن يجمع هذه الاعتبارات أو المعايير إلا شرع أنزله الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإننا حينما نريد أن نعرّف الفساد لا بد لنا أن نستقي المعايير من شرع الله تبارك وتعالى؛ يكون استقاءها أولاً، أو يكون مصدرنا في تحديد معنى الفساد من الجانب العقدي، لأن الله سبحانه وتعالى قرن بين الفساد في الأرض وبين عدم رسوخ العقيدة في النفوس؛ كما تحدث عن المنافقين الذين يُظهرون الإسلام ويُبطنون الكفر، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ثم قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١-١٢]، فبيّن أن معنى الفساد إنما هو لفساد عقيدتهم، وهذا الفساد الذي يكون في المعتقد يظهر أثره في واقع الحياة. ولذلك قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٤-٢٠٦]. إذن هناك جانب عقدي لابد أن يكون حاضراً حينما نتحدث عن معنى الفساد. يعني لا يمكن لي أن أضع تعريفاً –لأن هذا ليس اختصاصي– وإنما أتحدث عن المعايير التي لابد أن نستلهمها حينما نتحدث عن ما يحدد لنا الفساد، كما قلت سواء كان بمفهومه الواسع الشامل أو كان نوعاً خاصاً من أنواع الفساد. كالفَساد نتحدث عن الأخلاق باعتبار أن مصدرها هو شرع الله تبارك وتعالى؛ هو الذي حكم لنا بما هو حسن من الأقوال والأفعال مندرج في الخلق القويم وفي القيم النبيلة التي ترضي الله سبحانه وتعالى، والتي على أساسها يكون احتكام الناس من حيث كون فعل ما فعلاً خُلُقياً أو غير خُلُقي؛ إذاً فالمعيار الخُلُقي لابد أن يكون حاضراً أيضاً. ولهذا نجد أيضاً في كتاب الله تبارك وتعالى –حتى في الآية السابقة: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾– فإن تولّيه يشمل كل أنواع التولي، ونجد أن الله سبحانه وتعالى يخاطب أقواماً بُعث إليهم أنبياء كرام عليهم السلام بقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، ويخاطِبون بقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وتكرر هذا الجزء في موضعين من سورة الأعراف: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، فيشمل ذلك فساد الأخلاق والقيم كما يشمل أيضاً فساد السلوك والعمل والمنهج، بعد فساد التصور والمعتقد. ولهذا لابد أن نستلهم كل هذه المعاني، ولنقرِّب الصورة نقول: إذا كنا نتحدث عن فساد خاص، ولنقل مثلاً الفساد الإداري، فإخلال هذه السلطة لابد أن تكون سلطة شرعية سواء كانت عامة أو خاصة؛ فالإخلال بصلاحيات هذه السلطة العامة أو الخاصة ما دامت سلطة شرعية بالقصد هو من الفساد، ويتصل بذلك أيضاً –وهنا ندخل الجانب الخُلُقي– يعني في هذا الجزء الأول يدخل الجانب العقدي والجانب المنهجي العملي، أما الجانب الخُلُقي فإنه يدخل من باب أن يكون هذا الإخلال مفضياً إلى مناقضة مقاصد الشريعة في الحال أو في المآل. فإن الفعل قد يبدو في ظاهره –ولذلك أنا قدّمت بالقول إن الالتزام الظاهر بالأنظمة والقوانين قد لا يُغني عن وقوع الفساد– لأنه قد يكون هناك التزام ظاهر، لكن المقصود منه الالتفاف على هذه الأنظمة واللوائح لحدوث الفساد في الأرض، فهذا الالتفاف لا يمكن إثباته قانوناً، ولذلك يأتي دور العقيدة التي تبين أن مفهوم الفساد لا ينحصر في مجرد... أو أن مفهوم الصلاح لا يقتصر على مجرد الموافقة الظاهرة للأنظمة والقوانين. فخُذ على سبيل المثال قصة ابن اللُّتْبِيّة الأَزْدِي الذي استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما عاد قال: هذا أُهدي لكم، وهذا أُهدي لي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «ما بالُ عاملٍ نستعمله، فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا أُهدي إليّ؟! فهلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه فينظر هل يُهدَى إليه أم لا؟». هذا المعنى لم يُسمِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم رشوة، ولم يُسمِّه غصباً، ولم يُسمِّه سرقة، وإنما بيّن أن ظاهر الأمر أن هذا الفعل موافق لشرع الله تبارك وتعالى، لكن مصدر ما أُهدي إليه إنما كان بسبب الولاية التي استُعمل فيها، ولهذا فإنه لا يمكن أيضاً أن يُقال بأن مجرد موافقة ظواهر القوانين والأنظمة والتشريعات يُغني أو يؤدي إلى ارتفاع الفساد. وكذا الحال بالنسبة للرأي العام؛ لأننا نجد أن الله تبارك وتعالى يقول مخاطباً نبيه داود عليه السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، ويقول في آية أخرى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، ويبيّن أنه حينما يفشُو الظلم والطغيان ويعمّ الفساد تتغير الفطر، ولهذا قصّ لنا في قوم لوط أنهم قالوا: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢]، ففسدت الفطر، ولذلك فإن الفساد صار في نظرهم صلاحاً، وصار الصلاح فساداً. لكننا لابد أن ننظر إلى كل هذه المحددات أو المعايير حينما نريد أن نقرّب مفهوم الفساد سواء كان بمفهومه العام أو كان بمفهومه الخاص، أي يشمل أنواعاً معينة من أنواع الفساد.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٥‏/١٢‏/٢٠١١👁 2 مشاهدة
🎬

الفساد الإداري - الشيخ كهلان الخروصي - ليلة 9 محرم 1433

الطهاراتالعقيدةمسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

أنواع الفساد في الأرض

2 👁

ما هي أنواع الفساد الموجودة في الأرض كما وصفها القرآن الكريم، وكيف بيّن مواطن خطأ الناس فيها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

خطر فساد الأخلاق

2 👁

ما خطر فساد الأخلاق على الفرد والمجتمع؟

👤عبدالله بن سعيد المعمري
٢٧‏/٢‏/٢٠١٢

تعريف الأخلاق وتعزيزها

4 👁

ما تعريف الأخلاق باختصار، وماذا يعني تعزيزها في حياة الناس بالنسبة للمجتمع؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

الادعاء بالإصلاح مع الإفساد

2 👁

هل يمكن أن يكون الإنسان مفسدًا في الأرض وهو لا يشعر ويدعو الناس إلى الإصلاح، وكيف يميز الناس بين من يدعي الإصلاح وهو مفسد وبين غيره؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

ما هو الغش شرعا

2 👁

ما هو الغش وما مظاهره وأضراره وكيف يمكن علاجه؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٧‏/٥‏/٢٠١٣

معنى المصالح شرعًا

2 👁

ما المقصود بالمصالح عندما نتحدث عن الشريعة الإسلامية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٩‏/١٢‏/٢٠١٤