⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
خلاصة القول في هذه المسألة أن هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عليه الصلاة والسلام، للإمام في الفرائض هو ما وجّهه إليه بقوله: «إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والمريضة والصغيرة والكبيرة وذا الحاجة» في روايات مختلفة.
ولما بلغه أن – لما اشتكى إليه صحابي – أنه خرج من الصلاة لما كان يطيل الإمام، فاستدعى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معاذا، وكان قد غضب، فقال: «إن منكم منفرين، إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغيرة والكبيرة والضعيفة والكبير وذا الحاجة».
هذا هو الهدي العام. لكن ما هو حجم التخفيف؟ ما هو قدر التخفيف؟ وما هو قدر الإطالة؟ إذا بحثنا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عليه الصلاة والسلام، سنجد أن قدر الاعتدال والتوسط الذي كان على عهده عليه الصلاة والسلام هو مما يعدّه الناس اليوم من الإطالة التي لا يحتملونها؛ إذ كان من أغلب هديه في صلاة الفجر – على سبيل المثال – أنه يقرأ من طوال المفصل، طوال المفصل من قاف إلى المرسلات. بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدّروا ذلك بستين إلى مائة آية في الركعتين.
ثبت أنه أطال أكثر من ذلك في الفجر وفي غيرها من الصلوات، وثبت أيضا أنه قرأ بالمعوذتين في الركعتين، وأنه قرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ أيضا في الفجر عليه الصلاة والسلام، لكن كان هذا الأقل من هديه عليه الصلاة والسلام.
أيضا كان مما وجّه إليه بعض أصحابه أن قال له: «اقرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، اقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، اقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾»، فكان هذا لما قال: «إن منكم منفرين»، فأرشده إلى أن يقرأ بهذه السور مراعاة لأحوال المصلين.
فإذا الهدي في الإمامة أن يراعي الإمام أحوال المصلين، وأن يتوسط بهم؛ فمن كان يؤم طلبة علم – على سبيل المثال – أو يؤم شبابا ورجالا أصحاء، فلا حرج عليه في أن يطيل، ليست الإطالة التي تدعو إلى العناء والمشقة، وإنما الإطالة التي تُسمِعهم كلام الله عز وجل، والتي تحببهم في كلام الله تعالى.
وأما إذا كان يعلم أن في المصلين وراءه مرضى، أو كبار سن، أو أن فيهم ذوي حاجات، فالأولى أن يخفف. ولا نقصد بالتخفيف أيضا أن يقرأ – كما يُذكر عن بعض الأئمة – سورة البروج في صلاة القيام، في التراويح كلها يقرأ بسورة البروج؛ ولذلك تجد أن الصفوف خلفه لا تتناقَص من أول الشهر إلى آخره، يحسبون له لا يجاوز عشرين، خمسة وعشرين دقيقة وانتهت الصلاة.
فإذا كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – كما تقدم – الغالب الأعم هذا التوسط والاعتدال، هناك مواضع أطال فيها عليه الصلاة والسلام، هناك مواضع خفف فيها، لكن الغالب الأعم هو ما تقدم بيانه.
ورد أيضا أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم، عليه الصلاة والسلام، يقرأ في فجر الجمعة ﴿الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ﴾ في الأولى، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ في الثانية؛ فإذا نظرنا إلى هذا القدر سنجد أنه متناسب مع ما تقدمت الإشارة إليه من أن من هديه أنه كان في الفجر يقرأ طوال المفصل، أو من ستين إلى مائة آية، مع مواضع قرأ فيها أكثر، ومواضع قرأ فيها أقل من ذلك بكثير.
وهكذا في صلاتي المغرب والعشاء أيضا: أطال في بعض المواضع، لكن كان الغالب أنه يخفف، وكذا الحال بالنسبة لصلاة العشاء.
فعلى الإمام أن يراعي أحوال المأمومين، وعلى المأمومين أيضا أن يعطوا أنفسهم فسحة لسماع آيات الكتاب العزيز، وأن يغتنموا مواسم الخيرات – شهر رمضان لأنه شهر القرآن – أن يغتنموا هذا الموسم لأجل سماع كلام الله عز وجل، والتدبر فيه، وإعطاء نفوسهم حقوقها من كتاب الله تبارك وتعالى، من هذا القرآن العظيم.
والله تعالى الموفق، والله تعالى أعلم.