⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذه الآية الكريمة تُبكّت الكفار في العذاب يوم القيامة وتحكي ما يصدر منهم على سبيل التحقق، ولذلك ابتدأت الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ بصيغة الماضي التي تفيد تحقق ذلك، وكأنه واقع لا محالة، وفيه من التبكيت والوعيد بالمشركين ما لا مزيد عليه. ثم حكى قولهم: ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين.
والذي يدل عليه السياق، وقاله عدد كبير من أهل التفسير، أن المقصود بالتثنية فريق المضلين من الإنس وفريق المضلين من الجن؛ نعم، فإن غواية هذا الإنسان من جملة أسبابها الاستجابة لأهل الضلال ووسائل الضلال المؤدية بالعبد إلى العذاب –والعياذ بالله–، فيحكي ربنا تبارك وتعالى عن هؤلاء أنهم في الآخرة لا يرون كبار المجرمين، كبار المضلين الذين تسببوا لهم في الغواية في جملة ما تسببوا فيه، فكأنهم يبحثون عنهم، ثم يطلبون من ربهم تبارك وتعالى أن يريهم إياهم لمزيد من الإهانة والإذلال لهم، بأن يجعل الله تعالى –أن يجعل الفريقين– تحت أقدامهم ليكونا من الأسفلين.
ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بهذه التثنية إبليس –لأنه أصل العصيان وأصل الكفر– وابن آدم الذي قتل أخاه، نعم، وهو كما يقولون قابيل؛ لكن هذا القول –مع انتشاره عند عدد من مفسري السلف– إلا أنه لا يصلح لهذا السياق على الصحيح؛ لأن الحديث إنما هو عن كل المكلّفين الذين أصابتهم الغواية وانحرفوا عن طريق الهداية، نعم، فيحكي الله تبارك وتعالى هذا عن مجموعهم. ولذلك تنبّه كثير من المفسرين إلى أن المقصود إنما هو كل من أضلّ غيره من الجن والإنس، وأنزلهم منزلة الفريقين؛ ففريق الإنس لأنهم متّحدون في أسباب الغواية والإضلال، وفريق الجن كذلك متّحدون في الغواية والإضلال، في إحداث الغواية والإضلال للمكلّفين.
إذًا هذا هو المقصود، وهذا هو معنى التثنية في الآية الكريمة، والله تعالى أعلم.
طبعًا الآية تتحدث عما سيكون، ولكن –ولذلك صدرت بصيغة الماضي الدالة على تحقّقه فعلًا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾– فهي صيغة الماضي الدالة على تحقّق حصوله فعلًا. لكني أظن أن محل سؤاله –يعني هذا كان استطرادًا– محل سؤاله هو صيغة التثنية: ربنا أرنا الذين أضلانا، نعم؛ فهذه التثنية يُقصد بها صنف المضلين من الإنس، وصنف المضلين من الجن، نعم، وهذا نجده كثيرًا في كتاب الله عز وجل أن الإضلال يكون من الجن والإنس، كما في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، نعم، وكما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾، نعم، فهذا يوجد كثيرًا، له ما يؤكد صحة معناه كما تقدم، والله تعالى أعلم.