⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 72]، ما هو تفسير الآية؟
نعم، في قول الله تبارك وتعالى في الإسراء: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾، أقوالٌ للمفسرين، لكن هذه الأقوال مما تتسع له الآية الكريمة، فهي ليست بأقوالٍ متعارضة.
فمنهم من ذهب إلى أن المقصود: أن من كان أعمى في الحياة الدنيا، معرضًا عن دين الله تبارك وتعالى، وعن الحجج والبراهين التي نُصِبَت له، وعن التفكُّر في النِّعَم التي أُولِيَ إياها؛ فإنه في الآخرة يكون أعمى عن طريق الخلاص والنجاة، ويكون أعمى عن الحجج التي يدفع بها عن نفسه، هذا قول.
والقول الآخر: هو أن «في» بمعنى «عن»، وهذا ذكره من أوائل المفسرين صاحب «التصاريف» يحيى بن سلام، وهذا تُوُفِّي في عام 200 للهجرة، وذهب إليه أيضًا يحيى بن هارون، وله أيضًا تفسير في المتشابه، وتوفي في 170 هجرية، هذه من التفاسير المبكرة، فهم يرون أن «في» هنا بمعنى «عن»، فيكون المعنى: «ومن كان عن هذه أعمى، فهو عن الآخرة أعمى وأضل سبيلًا»، والمقصود بكلامهم هذا: أن الآيات قبل هذه الآية تحدَّثت عن نِعَمٍ بسطها الله تبارك وتعالى على العباد؛ فمَن كان في هذه الدنيا أعمى عن هذه الآيات والنُّذُر، فإنه عن ما يدعوه إلى الآخرة أعمى وأضل سبيلًا.
ونُسِب هذا القول إلى ابن عباس، وهو كما هو واضح أيضًا معنى مقبول.
ومن المفسرين من قال: إن المعنى أنه في الآخرة يكون أعمى البصر، واستشهدوا لذلك بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي، فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: 124-125]، فرأى هؤلاء أن المعنى: أنه في الآخرة سيُجازَى بجنس ما اقترفه في الدنيا، ولأنه عطَّل بصيرته في هذه الحياة الدنيا عن الاستشهاد على حقوق الله تبارك وتعالى، وشكر النِّعَم، والاستجابة للحق؛ فإن عقابه في الآخرة سيكون من جنس ما اقترفه في الدنيا، ولذلك فإنه يكون أعمى -بالمعنى الحقيقي- عن البصر وفقدانه، واستشهدوا له بآيات، منها الآية المتقدمة.
ومنهم من قال: إن العمى هذا سيصيبهم لشدَّة الكرب والغمِّ الذي يلاقونه، فالله تبارك وتعالى يُورِثهم ذلك بتسبُّبٍ من أنفسهم؛ لشدَّة ما يُعَانُونَه من الكرب والغمِّ والعُسْر الذي يكونون فيه، فيفقدون البصر.
والقول الرابع: هو أن من كان في هذه الحياة الدنيا أعمى البصيرة، فإنه في الآخرة يكون في عمًى وضلالةٍ، في حَيْرَةٍ يتخبَّط، لا يهتدي سبيلًا؛ لشدَّة الأهوال التي يُعَايِنُها ويَراها، فإنه يكون في حَيْرَةٍ وضلالةٍ يتخبَّط، كالأعمى يَهْوِي في الحُفَر ويصطدم بالحيطان والجدران؛ فهذه الصورة هي المقصودة لما يُصيبُه من أهوالٍ في الآخرة.
فهذه المعاني في الحقيقة كلها مقبولة، وتحتملها الآية الكريمة، وتتَّسِع هذه الآية، تحتمل كل هذه المعاني؛ لأن فيها وعيدًا شديدًا ظاهرًا.
والله تعالى أعلم.
الفارق بين القول الأول هناك: أنه يكون أعمى عن الحجج والبراهين وعن طرق الخلاص والنجاة، أما هذا فإنه يكون من شدة الحيرة والضلالة يكون حالُه كالأعمى يتخبَّط ويحتار ويتردد، وهذه الحالة وُصِفَت بأنها عمًى.
والله تعالى أعلم، نسأل الله السلامة.