⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
اقتضت حكمةُ الله تبارك وتعالى أن شرف النصر –كما هو شرف الشهادة– لا يناله إلا من يختصُّهم الله تبارك وتعالى بهذه المنازل العالية الرفيعة؛ ولذلك فإن هذه الحروب التي تكون بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وبين الصلاح والفساد، هي كاشفة عن أحوال الناس، يُقيم الله عز وجل بها الحجة على عباده من أنفسهم.
والمولى حَكَمٌ عدل جل جلاله، لا يؤاخذ العباد بظلم، وإنما يقيم عليهم الحجج، وينصب لهم البراهين، وهذا أمر لا بد أن يعيَه الناس في مثل هذه الظروف والأحوال ليختاروا لأنفسهم ما الذي يلاقون به ربهم تبارك وتعالى: هل سيلاقونه بمناصرتهم الجِبتَ والطاغوت؟ أو أنهم سيكونون مرضى القلوب يُنافِقون ويُداهِنون، ويسعون إلى أن يتملَّكوا من مثل هذه الأحداث مكاسب دنيوية رخيصة يدوسون من أجل الوصول إليها على القيم والمبادئ والدين والخير، ومالَتْ بهم عن الطريق المستقيم، لا يُلقون للآخرة بالًا، ولا يرفعون لله تبارك وتعالى ولا لحقوق إخوانهم المسلمين رأسًا؟ فمثل هذه الأحداث تكشف كل هذه المواقف.
أما متى يمكن للمسلم أن يستشعر أنه قد بلغ الغاية؟ هو قد لا يجد ذلك من نفسه، لأن ربنا تبارك وتعالى يُقلِّب عباده بين صنوف من الابتلاءات، يُمحِّصهم، وهذا التمحيص هو ابتلاء في حقيقته: رفعًا لدرجاتهم، إظهارًا للحق، قطعًا لدابر أن يظن ظانٌّ لأحدٍ منَّةً في تحقيق النصر؛ فالنصر من عند الله تبارك وتعالى وحده، لا منَّة لأحد، وقد يكون في ذلك أيضًا كشف لبعض الهَنات التي لعل البعض قد وقع فيها، فتكشف لهم تلك الابتلاءات –مع صعوبتها– ما وقعوا فيه من شيء من الهَنات لأجل جَبْرِها وإصلاحها والسعي إلى تصحيحها.
وهذا لا يقتصر على الجانب العسكري والقتالي وما تستدعيه من اتخاذ العُدَّة، وإنما –كما تقدَّم فيما مضى– فيما يتعلق أيضًا بصِلَتهم بالله تبارك وتعالى؛ فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوِّهم، كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه.
أما وصف الحال، فيمكن –نعم– أن يبلُغ بالمسلمين الحالُ إلى أن تبلُغ القلوبُ الحناجرَ، لكن عندئذٍ يأتي نصرُ الله تبارك وتعالى بمقتضى حكمته وعدله وفضله على عباده، فإنه يؤيدهم بنصره، وهذا النصر لا يلزم منه أن يكون في جولة واحدة، أو في معركة واحدة، وإنما هي حكمته جل وعلا في وقت نزول النصر على عباده، وتأييد المولى الكريم لعباده المؤمنين ورفع الظلم عنهم؛ ليدخلوا في ابتلاء من نوع آخر حينئذٍ؛ حينما يؤيدهم الله تبارك وتعالى بالانتصار على عدوهم، فإن هذا لا يعني أن عباده هؤلاء سيكونون فارغين خالين من الابتلاءات، وإنما ستكون هناك أنواع أخرى من الابتلاءات.
والله تبارك وتعالى يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، ويقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾، ويقول: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ، لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ، وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾، هذا وعد الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وما على المؤمنين إلا أن يكونوا موقنين واثقين بنصره، آخذين بالأسباب، متوكلين عليه، متحلِّين بهذه الخلال التي بيَّنها لهم كتاب ربهم وهَدْي نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم.