⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فالجواب عن هذه المسألة هو أن هناك نكتًا بلاغية ظاهرة في هذا التقديم والتأخير لكلمة للناس بين آيتي سورة الإسراء وسورة الكهف.
بيان ذلك ابتداء هو أن سورة الإسراء تتحدث عن الناس بمختلف مواقفهم وفئاتهم، وتوجه الخطاب إليهم في المقام الأول، وتنصب لهم الكثير من الأمثال بما فيها الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تنبيهًا وتحذيرًا، ولأن موضوعها الأول هو الإنسان والناس فإننا نجد التقدمة لذكر الناس في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.
أما الموضوع الأظهر لسورة الكهف فهو القرآن الكريم، فبه ابتدأت، فالله تبارك وتعالى ابتدأت السورة الكريمة بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ثم ذكر في هذه السورة جملة من الأمور الغيبية التي لا تقوم الحجة فيها إلا بما أظهره كتاب ربنا تبارك وتعالى من قصة أصحاب الكهف، ومن قصة ذي القرنين، ومن قصة موسى مع العبد الصالح عليهم السلام، فلأن موضوعها القرآن الكريم كانت التقدمة في هذه الآية الكريمة للقرآن، ولذلك قال في الكهف: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، فالتقديم والتأخير بداية يتناسب مع موضوعات كل سورة منهما.
الوجه الآخر هو أن سورة الإسراء تقدمت هذه الآية الكريمة قولُ الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾، و﴿لَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾، فقد تقدم ذكر أن الإعجاز والبيان والهداية والتحدي متجهة إلى الإنس والجن بالإتيان بمثل هذا القرآن، فلما قدم ذكر الثقلين الإنس والجن نصب التحدي في حق الناس، في حق الإنس، لأنهم المعنيون بالخطاب، ولببيان شرفهم ومنزلتهم، ولإقامة الحجة عليهم، فذكر الناس بعد أن ذكر الإجمال، ذكر جنسًا منهم يقيم عليهم الحجة ويريد أن يظهر فضلهم وشرفهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾.
والوجه الآخر في هذه الآية الكريمة أيضًا أن ذكر الناس تأخر، فمرة أخرى قال في نفس الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾، فلو أن ذكر الناس تأخر لتقارب مع ذكر الناس في آخر الآية، فأدى ذلك إلى الثقل، أو أن يُستبدل بالاسم الظاهر الضمير، وهذا يفوت المقصود من نصب الحجة والدعوة إلى التحدي وكشف حقيقة هذا الإنسان، فهذا وجه آخر في هذه الآية الكريمة من سورة الإسراء، مما لا نجده في سورة الكهف.
فإن سورة الكهف التي تقدم آية: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ﴾ تقدمها قوله تبارك وتعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾، ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ﴾، فالذي تقدمها يتعلق بما لا سبيل إلى معرفته إلا في كتاب الله عز وجل، إلا في القرآن الكريم، ومنه ما يتعلق باليوم الآخر: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾، والآيات قبلها: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾، فهذا يتعلق بالآخرة مما لا سبيل إليه إلا بما نُصبت حجته في كتاب الله عز وجل، فناسب ذلك مع موضوع السورة كلها ومع السياق الذي وردت فيه، إذ لم يتقدم ذكر للثقلين، وإنما كل الذي تقدم يتعلق بما في القرآن الكريم، فقدم ذكر القرآن الكريم لأنه الأهم.
فهذه من أبرز الوجوه التي كان بها التقديم للناس في الإسراء، والتقديم في هذا القرآن في سورة الكهف.
والله تعالى أعلم.