مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

الفرق بين اقذفيه والقيه

ما الفرق بين قوله تعالى في سورة طه «فَاقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ» وبين قوله تعالى في سورة القصص «فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ»، وما دلالة اختلاف اللفظ بين «اقذفيه» و«القيه»؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فالجواب: لنعرف أولا الفرق بين الإلقاء والقذف، ثم ننظر في السياق القرآني بين سورة القصص وسورة طه. القذف: رمي بسرعة وشدة وإلى بُعد. أما الإلقاء: فهو رمي وطرح، لا يلزم منه الرمي بسرعة، ولا بشدة، ولا إلى مكان بعيد. هذا الفارق مهم لنفهم ما جاء في الموضعين من كتاب الله عز وجل. الآن لننظر في آيات سورة القصص، يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7]. هنا استعمل ربنا تبارك وتعالى صيغة الإلقاء، مما يعني أنه ليست هناك شدة ولا سرعة ولا معنى لبعد مكان الرمي؛ لأن السياق في الحقيقة سياق تهيئة لأم موسى لما سيحدث، ولذلك حُشد بما يطمئنها ويبعث في نفسها السكينة، فاستُعمل من الألفاظ ما يدل على أقل المعاني المطلوبة. هذا هو السياق في سورة القصص؛ إذا نظرنا: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ مبتدأ ما أُوحي إليها فُسِّر بالإرضاع أولا، والإرضاع فيه سكون وشفقة وحب وحنان، ثم قال: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ يعني: "إذا" تدل هنا على أن هذا الأمر غالبا سيحصل، فالإيحاء إليها بأنه إذا حصل، حينما يحصل هذا الأمر، ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ فورا، و﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾؛ لماذا؟ ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾، وفوق ذلك كله: ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، عدة بشارات؛ فسورة القصص تهيئ أم موسى للحدث وتبعث في نفسها بهذه البشارات الطمأنينةَ والسكون، ولذلك استعمل القرآن الكريم صيغة ﴿فَأَلْقِيهِ﴾؛ لأن هذه الصيغة تدل على أقل معاني الرمي. الآن لننظر في سورة طه: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ [طه: 38-39]. هذا سياق الحدث يقع، هذا يعني الآيات القرآنية تدل على أن وقت تنفيذ ما هُيِّئت له قد حان؛ الآن هو وقت التنفيذ: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾، ليس هناك ذكر للرضاع، والتابوت مهيأ معدّ، ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾؛ الآن ما الذي يُقذف في اليم؟ التابوت. ما الذي يُلقى في اليم في القصص؟ موسى عليه السلام؛ ليست هناك إشارة للتابوت، هنا ورد ذكر التابوت. القذف: هذا الرمي بشدة وبسرعة؛ لأن جنود فرعون منتشرون يبحثون عن الصبيان، فجاءها الوحي أنه قد حان وقت التنفيذ: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾؛ العلاقات متسارعة، لقطات متسارعة؛ لأن الحدث هو هكذا الآن، ومع ذلك فيه قدر من التطمين؛ هذا التطمين – يعني هذه البشارات – في الحقيقة هي لموسى عليه السلام: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾، و﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾. إذن في سورة القصص لا ذكر للتابوت، فناسب – مع أن سورة القصص هي للتهيئة والإعداد للحدث – أن يُستعمل الإلقاء، وسورة طه تحكي الحدث نفسه لحظة الوقوع، وفي سورة طه هناك ذكر للتابوت ورد مرتين: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾، باسم الظاهر وبالضمير العائد إليه. كذلك الحقيقة أن سورة طه تكرر فيها الإلقاء مرتين، فناسب التنويع في الألفاظ؛ معنى هذا الكلام: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾، تكرر الأمر بالقذف مرتين: الأولى لموسى، ثم للتابوت، ثم: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾، هذا إلقاء وليس قذف، يعني ورد الإلقاء هنا، فنوَّع الخطاب، نوع – يعني الصيغة المفردة المستعملة – نوع فيها، ثم قال بعد ذلك مرة أخرى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾، هذا الإلقاء ليس فيه شدة وليس فيه بُعد، فيه معنى أنه طُرِحت عليه محبة منه، فكل من رآه أحبه موسى عليه السلام. هذا أيضا من ضمن الفوارق بين الموضعين في القصص وفي طه؛ إذن هذا جملة ما يختلف فيه السياق القرآني الذي تبعا له اختلفت الصيغة المستعملة بين ما ورد في سورة طه وما ورد في سورة القصص. والله تعالى أعلم. (جواب تابع) سؤال: هل يُعد هذا من ضمن الإعجاز البياني في القرآن الكريم؟ الجواب: وقطعا من الإعجاز البياني، بل هو من أبلغ وجوه الإعجاز البياني؛ لأنه يتصل باستعمال المفردة والسياق الذي وردت فيه، وبالجانب الصوتي أيضا، فهو من أبلغ وجوه الإعجاز البياني. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢١‏/٤‏/٢٠٢٣👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - 30 رمضان 1444 هـ

القران الكريم

✦ فتاوى مشابهة

الفرق بين ألقِيَه واقذفيه

2 👁

ما المعنى الدقيق والفرق بين الإلقاء في قوله تعالى: فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ والقذف في قوله: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ في قصة موسى عليه السلام؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٠‏/٧‏/٢٠١٥

الفرق بين اسطاعوا واستطاعوا

2 👁

ما معنى اختلاف التعبير في قوله تعالى فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا في سورة الكهف، ولماذا استعمل مرة اسطاعوا ومرة استطاعوا؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤‏/٦‏/٢٠١٧

الفرق بين لها وعلى

2 👁

ما الفرق بين استخدام (لها) و(على) في قوله تعالى: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، وقوله: يعكفون على أصنام لهم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

الفرق بين أنزل وألقى الذكر

2 👁

ما الفرق بين استعمال «أُنزل عليه الذكر من بيننا» في سورة ص و«أُلقي الذكر عليه من بيننا» في سورة القمر، وما سبب تقديم وتأخير لفظ الذكر فيهما؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٧‏/٣‏/٢٠٢٤

الفرق بين لها وعلى

2 👁

ما الفرق بين استخدام (لها) و(على) في قوله تعالى: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، وقوله: يعكفون على أصنام لهم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٣‏/٥‏/٢٠١٨

الفرق بين القرية والمدينة

2 👁

ما الفرق بين القرية والمدينة في القرآن الكريم كما في سورة يس وسورة الكهف؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٨‏/٢‏/٢٠٢١