⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب عن هذا السؤال هو أن نتذكر أولًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تناجي اثنين مع وجود ثالث، وبيَّن عليه الصلاة والسلام أن ذلك يحزنه.
من أدب الحديث ألا يتناجى اثنان مع وجود ثالث معهما. والتناجي يُقصَد به –وهذا معنى مهم– المُسارَّة بحديث بين اثنين دون الثالث، والمُسارَّة تعني إخفاء الحديث، إخفاء الموضوع الذي يدور بينهما؛ فيقصدان أن يُخفيا عن الثالث ما يدور بينهما من حديث.
فإذا كان قصد من يتكلمون بمحضر –أو من يتكلمان بمحضر– أصمٍّ معهم أن يُخفيا عنه حديثًا، فنعم، يُخشى أن يقعا في إثم من تناجى بحديث مع صاحبه دون الثالث؛ فهما يُسرَّان حديثًا يقصدان إخفاءه عنه، واغتنما أنه لا يسمع، فأخذا يتبادلان الحديث بقصد إسراره عنه، فهذا داخل في النهي.
لكن إن لم يكن كذلك، إن لم يقصدا أن يتسارَّيا بحديث، ولعلَّهما لا يُحسِنان لغة الإشارة، وكانا يخوضان في أمر معتاد، فإن مما ينبغي لهما مراعاته أدبُ المجالس. وأدب المجالس في الإسلام قائم على التعاطف والتشارك وتبادل القول والرأي مع من حضر، وألا يستأثر البعض بتبادل أطراف الحديث دون أن يُشركا غيرهما من الحاضرين؛ فإن في ذلك مخرمة لأدب الحديث وأدب المجالس.
فإن سلما من التناجي –لأنهما لا يقصدان كما تقدم إخفاء حديث عنه، وإنما صادف أنهما يتحدثان مسترسلين ولا يُشركانه في الحديث– فقد يقعان في غير الأدب المرجو من المسلمين في مجالسهم؛ فيجب عليهما أن يتنبَّها لهذه المعاني وأن يُشركاه في الحديث قدر استطاعتهما، إما بالكتابة، أو بشيء من الإشارة، أو بأن يستأذِنا، وأن يعودا إليه بين الفينة والأخرى بشيء يمكن أن يكون معهما فيه؛ فبذلك تبرأ ذمتهما، والله تعالى أعلم.
أما الغيبة، نعم، فكان السؤال أيضًا يسأل عن الغيبة.
باختصار شديد: الغيبة عرَّفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «الغيبة ذكرك أخاك بما يكره».
وحمل أهل العلم معنى الغيبة على ذكر من لم يحضر بما يكره، يعني صرَّح بهذا كثير من العلماء: أن الغيبة مأخوذة من الغَيبة، والغَيبة يُقصَد بها غياب الشخص عن المجلس الذي يكون فيه الحديث؛ فيذكره أحدهم بما يَسُوؤه وبما يكره وهو غائب غير حاضر؛ هذه هي الغيبة، هذا المعنى غير متحقق في هذه الصورة المسؤول عنها؛ لأنه حاضر موجود معهم.
لكن إن كانا يذكرانه بسوء، أو كان أحدهما يذكره بسوء، فهذا من السِّباب، وفيه وعيد شديد؛ فالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سباب المسلم فسوق»، أو يمكن أن يكون من التحقير، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا؛ المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعِرضه».
فإن كان يذكرانه بسوء وهو حاضر، فهما يقعان في ما هو عظيم في هذا الدين من السِّباب والفسوق والتنقُّص منه وتحقيره، وكل ذلك محرَّم في دين الله تبارك وتعالى.
هذا والله تعالى أعلم.