⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، الرواية صحيحة؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] استعظموا ذلك، فأتَوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لهم: ليس كما ظننتم، إنما هو الشرك، ثم قرأ عليهم قول الله تبارك وتعالى في لقمان لابنه –وفي بعض الروايات في قول الرجل الصالح لابنه، وفي بعض الروايات التصريح أنه لقمان–: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]، فالآية في سورة لقمان، فالرواية صحيحة.
لكن معنى الظلم لا يُحصَر في الشرك، لا في اللغة ولا في الاستعمال القرآني؛ فالشرك ظلم، حقيقته –كما يقول طائفة من المفسرين– وضعُ الشيء في غير موضعه بزيادةٍ أو بنقصانٍ أو بعدولٍ عن مكانه أو زمانه.
وضع الشيء في غير موضعه بزيادةٍ: هذا تعدٍّ وجَوْر؛ أن يشرع الله تبارك وتعالى أمرًا ثم يزيد الناس فيه، أن يشرع عقوبة ثم يزيدون فيها، هذا ظلم؛ ظلمٌ بزيادة. ظلمٌ بنقصان: هذا نجده كثيرًا؛ مثلًا نجد في قول الله تبارك وتعالى: ﴿كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: 33]، لم تنقص منه شيئًا.
والعدول: أن يكون الظلم بمعنى وضع الشيء في غير موضعه بالعدول به عن مكانه وعن زمانه، فهذا أيضًا واضح؛ بالعدول به عن مكانه، لذلك ورد في المعاني اللغوية: يُقال أرضٌ ظَليمة وظالمة إذا حُفِرَ فيها حفرةٌ أو بئرٌ في غير الموضع الصحيح.
إذًا يَرِد الظلم في كتاب الله عز وجل على وجوه، عَدَّها بعضهم خمسة وجوه:
يَرِد بمعنى الشرك، ومنه: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، ومنها ما يتعلق بحقوق النفس، من نحو: ﴿وَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32]، ومنها ما يتعلق بحقوق العباد –وهذا كثير في كتاب الله عز وجل– الظلم الذي يكون بين العباد، وقيل: بأنه أصعب هذه الوجوه، أصعب من حيث أثره في الخلاص منه، من بُعده، ومنه ما يكون بمعنى النقصان، ومنه ما تقدم في آية الكهف، ومنه: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57].
فكل هذه الوجوه ترد في كتاب الله عز وجل، حتى إن أبا الزبير الغرناطي ذهب إلى أن «الظلم» من الألفاظ المشتركة، وأن الذي يصرف معناه هو القرائن التي تحتف به، لكن هذا لم أجده لغيره، أكثر المفسرين وعلماء اللغة يقولون بأن «الظلم» هو وضع الشيء أو وضع الأمر في غير موضعه، وأن يكون من المشترك لعل فيه نظر، يعني معناه مجرد؛ قد يكون نعم، يعني معناه الحقيقي هو وضع الشيء في غير موضعه.
وبعضهم يقول: المعنى الحقيقي للظلم هو النقصان، ففسَّروا الظلم بمعنى الشرك: أي أنه أنقص من حقوق الله تبارك وتعالى، وأنقص من حقوق نفسه بأن يحملها على التوحيد، وظلم الآخرين فسَّروه بأنه هو انتقاص من حقوقهم، أخذ من حقوقهم، تعدٍّ على حقوقهم بالإنقاص وبالازدياد لحقوق نفسه من غير وجهٍ مشروع، وأن باقي المعاني هي من لوازم هذا المعنى.
لكن التعريف الأوسع الجامع له هو: وضع الأمر أو وضع الشيء في غير موضعه بزيادة أو بنقصان أو بالعدول عن مكانه أو زمانه، والسياق القرآني هو الذي يحدد المعنى.
هنا في هذه الآية لما نزلت، السياق يُبيِّن معناها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، إذًا السياق في الذين آمنوا في أخصِّ خصائصهم، ثم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، ما الذي يمكن أن يلامس هذا الإيمان من ظلم؟ إنما هو الشرك والجحود –والعياذ بالله–.
والله تعالى أعلم.