⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، لأن هذه المجالس العامة هي من المنافع العامة، ومن المصالح التي تخدم المجتمع كله؛ فينتفع منها الفقراء والمساكين، وينتفع منها الموسرون والأغنياء وذوو الوجاهات؛ لأنها ملتقى لأهل البلدة في أفراحهم وفي أتراحهم، ولأن في تشييدها تنزيهًا لبيوت الله تبارك وتعالى عما يليق بها؛ لأن بعض الناس حينما لا تكون عندهم مجالس عامة فإنهم يَؤُولون إلى المساجد في أتراحهم وفي أفراحهم أيضًا، وقد يحصل فيها ما لا يليق ببيوت الله تبارك وتعالى من القدسية ومن الحقوق اللائقة بالمساجد؛ فأغنت هذه المجالس العامة عن مثل هذا الذي فيه قدر أو فيه شيء من الامتهان لبيوت الله تبارك وتعالى.
كما أنها أيضًا في واقعنا اليوم هي مكان لتعزيز التعاطف، والتراحم، والتواد بين المسلمين؛ فإنهم يتفقدون أحوال بعضهم بعض، يلتقون فيها، ويتذاكرون ما يهم مجتمعهم وما يعنُّ لهم من أمور فيها مصالح ومنافع لهم، أو من المنافع العامة والمرافق التي يحتاجون إليها، ويتشاورون فيها، أو فيما يتعلق ببعض المشكلات التي يمكن أن تطرأ.
يتعود فيها الناشئة على الخصال الكريمة؛ من توقير الكبير، ومن مراعاة الآداب، والأعراف المتوارثة الحسنة الجميلة، ويُشغَلون عن الملاهي التي لا تنفعهم، لا سيما الملاهي الإلكترونية، لا سيما عالم الترفيه الذي يُبعِدهم عن هذه المعاني كلها: عن القيم والأخلاق الحسنة المتوارثة، وعن أعرافنا وتقاليدنا وآدابنا المحمودة؛ لأن هذه لا تحصل من خلال أن ينصرفوا إلى هذه الأجهزة حتى لو شاهدوها –على سبيل المثال– وقليل من يصنع ذلك؛ فإنه لا يمكن أن يكتسب هذه؛ تحتاج إلى دُربة، وإلى توجيه، وإلى ممارسة.
يعني نحن لدينا من الأعراف الحسنة التي لها امتداد في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كتقديم الكبير، ويعني البدء باليمين، وخدمة الضيف، وإجلاس الضيف، والترحيب به، وبسط الوجه له؛ هذه لا تحصل بأن يشاهدها في الشاشات، هذه إلى أن يرى المسنين من أهل مجتمعه يمارسونها ويفعلونها؛ يرى فيهم التواضع، يرى فيهم خدمة الغير، يرى فيهم بَسْطَهم، يرى فيهم كيف يتبادلون الحديث؛ هذه تحصل في المجالس العامة، فلا ينبغي الإحجام –كما قال السائل– عن مد يد العون إليها، وعن التبرع لها؛ فهذا من الصدقات الجارية، ومع استصحاب هذه المقاصد والنيات لا ريب أن المتبرع، المتصدق يؤجر على مثل هذا الفعل.
والمسلم ينبغي له ألا يترك بابًا من أبواب الخير إلا ويشارك فيه قدر استطاعته بما يتيسر في يد الله تعالى مع الجماعة، وبه التعاون ولو بالشيء اليسير؛ فإن الله تبارك وتعالى يُنْزِل فيه البركة؛ لقوله جل وعلا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، أن يضاعفها، ويبارك فيها، ويجعل فيها زيادةً ونماءً، وهذا من الصدقات؛ فكيف إذا كانت أيضًا من الصدقات الجارية.
والكثير من المجالس اليوم –بحمد الله تعالى– أيضًا لا تقتصر على هذا الجانب الاجتماعي والخلقي، بل صارت أيضًا فيها كثير من الأنشطة التعليمية والإرشادية والوعظية والثقافية المعرفية؛ فمن أجل ذلك يعني نحث الناس على ألا يُهمِلوا هذا الجانب، وأن يلتفتوا إليه، فضلًا عما تقدمت الإشارة إليه أن في وجود مثل هذه المجالس عونًا للفقراء والمساكين الذين قد لا تكون بيوتهم ومنازلهم –يعني– ما عندهم من السعة الكافية لاستقبال الأعداد الكبيرة من الناس، أو للمناسبات التي يمكن أن تكون عندهم، أما هذه المجالس العامة فإنها مقصد للجميع، ولا أحد يجد غضاضة في الانتفاع منها والاستفادة منها، فهي تحقق تكافلًا اجتماعيًا محمودًا ينبغي الحرص عليه.
والله تعالى الموفق.
هل تنصحون بأن تكون هذه المجالس للجميع تبتعد عن التحيزات أو التكتلات...؟ يدور حول هذا المعنى، نعم؛ لا يُراد من المجالس أن تكون سببًا للتفرق والتحزب، وزيادة الشقاق بين الناس؛ يُراد منها أن تكون سببًا لاجتماع الكلمة، وللُفْة، والتواد، والتعاطف.